كوثر بوجوال
تسجيل الدراجات النارية وشروط اشتغال سائقي التوصيل دخلا مرحلة جديدة من النقاش بين الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية والمهنيين، في ظل استعداد المغرب لتطبيق مقتضيات تنظيمية جديدة ابتداء من فاتح يناير 2027، وتصاعد المخاوف من تأثير ضغط آجال تسليم الطلبيات في سلامة العاملين ومستعملي الطريق.
ووضع اجتماع جمع بناصر بولعجول، مدير الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية «نارسا»، بأعضاء الفدرالية المغربية لمستوردي وموزعي الدراجات النارية والهوائية والكهربائية، ملف سائقي التوصيل ضمن أبرز القضايا المطروحة، إلى جانب إجراءات نقل ملكية الدراجات والفحص التقني وتسوية وثائق هذا الصنف من المركبات.
ويأتي النقاش في وقت تعرف فيه خدمات التوصيل بواسطة الدراجات توسعا متسارعا داخل المدن المغربية، مقابل استمرار الإشكالات المرتبطة بالسرعة والتجهيزات الوقائية والوضعية المهنية للسائقين، فضلا عن غموض يحيط لدى عدد من المالكين بكيفية الانتقال إلى نظام التسجيل الجديد.
نارسا تضع سائقي التوصيل تحت المجهر
أولى اجتماع «نارسا» مع مهنيي الدراجات اهتماما خاصا بشروط السلامة الطرقية للعاملين في خدمات توصيل الطلبيات، باعتبارهم من أكثر مستعملي الدراجات احتكاكا بحركة السير داخل المدن.
وأكد بناصر بولعجول أن آجال التسليم التي تعتمدها بعض الشركات يجب ألا تتحول إلى مصدر ضغط يدفع السائقين إلى تجاوز السرعة المسموح بها أو ارتكاب مخالفات أو المجازفة بحياتهم وحياة باقي مستعملي الطريق.
ويعمل سائق التوصيل غالبا في بيئة تتسم بازدحام الطرق وتعدد الطلبيات وتغير المسارات، ما يجعل ربط دخله أو تقييم أدائه بسرعة التسليم عاملا يمكن أن يؤثر في سلوكه أثناء القيادة.
وتزداد الخطورة عندما يضطر العامل إلى الاختيار بين احترام قواعد السير والوصول خلال مدة قصيرة، خصوصا إذا كان التأخر قد يؤدي إلى إلغاء الطلب أو تخفيض المداخيل أو التأثير في تقييمه داخل التطبيق.
لهذا شددت الوكالة على ضرورة تحمل شركات التوصيل مسؤوليتها في اعتماد نماذج تشغيل لا تجعل السائق في سباق متواصل مع الزمن، مع مراعاة الازدحام والأحوال الجوية والمسافة وحالة الطريق عند تحديد زمن تسليم الطلب.
آجال التسليم لا ينبغي أن تهدد حياة السائقين
كشف مدير «نارسا» أنه سبق أن تدخل لدى شركة كبرى تنشط في مجال التوصيل، بعدما وقف على إجراءات تربط إلغاء الطلبيات بالتقيد بمدد زمنية محددة للتسليم.
وعبر المسؤول عن رفضه الممارسات التي قد تدفع العاملين إلى زيادة السرعة لتجنب التأخر أو إلغاء الطلب، لما تمثله من خطر على السائقين والراجلين وباقي المركبات.
ويعيد هذا الموقف إلى الواجهة مسؤولية المنصات الرقمية في تصميم أنظمتها وخوارزمياتها، لأن السلامة لا تتعلق فقط بامتلاك السائق خوذة أو احترامه إشارات المرور، بل تمتد إلى طريقة احتساب الوقت وتوزيع الطلبيات وتقييم الأداء.
فإذا كان النظام يمنح زمنا لا يراعي ظروف السير الفعلية، فقد يتحول التطبيق بصورة غير مباشرة إلى مصدر ضغط يشجع على السلوك المتهور، حتى عندما لا تطلب الشركة من العامل صراحة مخالفة القانون.
وتسعى «نارسا» إلى دفع الشركات نحو اعتماد آجال واقعية، وعدم معاقبة السائق بسبب ظروف لا يتحكم فيها، مثل الاختناق المروري أو إغلاق الطرق أو طول فترة انتظار إعداد الطلب داخل المطعم أو المتجر.
تجهيزات العمل على مسؤولية شركات التوصيل
شدد بناصر بولعجول على أن حماية سائقي التوصيل تقتضي توفير وسائل وتجهيزات العمل الضرورية لفائدتهم بصورة مجانية، بدل بيعها لهم أو تحميلهم تكاليف إضافية.
وتشمل متطلبات السلامة، بحسب طبيعة النشاط، الخوذ المطابقة للمعايير والسترات العاكسة ووسائل تثبيت الطلبيات والتجهيزات التي تساعد على ظهور السائق ليلا وفي ظروف ضعف الرؤية.
ويطرح تحميل العامل تكلفة هذه المعدات إشكالا مهنيا، لأنها ليست إكسسوارات اختيارية، بل أدوات أساسية لممارسة نشاط التوصيل في ظروف آمنة.
وسبق أن وقعت الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية في فبراير 2026 اتفاقية إطار مع إحدى الشركات الكبرى العاملة في مجال التوصيل، بهدف تعزيز السلامة الطرقية وحماية مستعملي الدراجات النارية العاملين في هذا القطاع.
ويظهر إعادة فتح الملف خلال الاجتماع الجديد أن معالجة المخاطر لن تقتصر على حملات التحسيس، بل تتجه نحو مراجعة شروط العمل والمسؤوليات التي تتحملها الشركات المستفيدة من خدمات السائقين.
نظام جديد لتسجيل الدراجات في يناير 2027
ناقش الاجتماع كذلك الترتيبات المرتبطة بدخول مقتضيات جديدة لتنظيم تسجيل الدراجات بمحرك حيز التنفيذ ابتداء من فاتح يناير 2027.
وتستند هذه الإجراءات إلى قرار وزير النقل واللوجستيك رقم 640.26، الذي عدل المقتضيات المنظمة لتسجيل المركبات وصفائحها، ووسع نطاقها ليشمل الدراجات بمحرك والدراجات الخفيفة ثلاثية ورباعية العجلات.
ويهدف النظام إلى تطوير وسائل التعريف بالدراجات وتوحيد قواعد التسجيل، بما يسهل عمليات نقل الملكية والمراقبة والتحقق من الوضعية القانونية للمركبة.
لكن دخول المقتضيات الجديدة حيز التنفيذ لا يعني أن جميع أصحاب الدراجات مطالبون بالتوجه بصورة جماعية إلى مراكز التسجيل في فاتح يناير.
فالنص التنظيمي ينص على استمرار صلاحية سندات الملكية وصفائح التسجيل الحالية إلى حين إنجاز أول عملية لنقل الملكية، أو تقديم طلب للحصول على نظير لسند الملكية، أو طلب استبدال الوثائق.
ويكتسي هذا التوضيح أهمية لتفادي الارتباك والاكتظاظ، وحتى لا يفهم الموعد باعتباره أجلا نهائيا لإلغاء جميع الوثائق القديمة.
مخاوف من الضغط على مراكز التسجيل
أثار ممثلو الفدرالية مخاوف من احتمال ارتفاع الضغط على مراكز التسجيل عند بدء تطبيق المقتضيات الجديدة، بالنظر إلى العدد الكبير من الدراجات المستعملة في المغرب ومحدودية البنيات المتوفرة في عدد من الأقاليم.
وتزداد هذه المخاوف مع توفر بعض العمالات على مركز تسجيل واحد، ما قد يؤدي إلى تمدد آجال الحصول على المواعيد ومعالجة الملفات، خصوصا إذا تزامنت طلبات نقل الملكية مع إجراءات الفحص التقني وتسوية الوثائق.
وكشف مدير «نارسا» أن نصوصا تنظيمية جديدة يرتقب صدورها لتوفير مرونة أكبر في تنزيل الإجراءات، بما يساعد على تفادي الازدحام وتبسيط المساطر أمام مالكي الدراجات.
وينبغي أن تراعي الإجراءات المقبلة التوزيع الجغرافي لمراكز التسجيل وحجم أسطول الدراجات في كل منطقة، إلى جانب توفير خدمات رقمية تسمح بتقليص عدد التنقلات والوثائق المطلوبة.
كما يفترض أن تسبق مرحلة التنفيذ حملة تواصلية تشرح الفئات المعنية والآجال والمساطر، وتفرق بوضوح بين تسجيل دراجة جديدة ونقل ملكية دراجة مستعملة والحصول على نظير لوثيقة مفقودة.
بطاقات رمادية ممغنطة للدراجات
ينتظر أن تتيح الترتيبات المرتقبة حصول الدراجات المعنية على بطاقات رمادية ممغنطة، على غرار الوثائق المستخدمة بالنسبة إلى السيارات.
ومن شأن البطاقة الجديدة أن تعزز موثوقية بيانات المركبة ومالكها، وأن تسهل التحقق من المعلومات خلال عمليات المراقبة أو نقل الملكية، مع تقليص الاعتماد على سندات يصعب تحيينها أو تتبعها.
كما يمكن لهذا النظام أن يساهم في الحد من التلاعب بالوثائق وبيع الدراجات دون استكمال إجراءات نقل الملكية، وهي ممارسات تخلق نزاعات بين البائع والمشتري وتعرقل تحديد المسؤوليات عند وقوع حوادث أو تسجيل مخالفات.
ويظل تنزيل هذه الخطوة مرتبطا بصدور النصوص التنظيمية المفصلة وتحديد المساطر العملية، لذلك لا ينبغي اعتبار جميع التفاصيل المتداولة نهائية قبل إعلانها رسميا من الجهات المختصة.
يوم دراسي لمناقشة مخاطر الدراجات
اتفق الطرفان على تنظيم يوم دراسي حول السلامة الطرقية بمشاركة مختلف الفاعلين المعنيين، من أجل مناقشة استعمال الدراجات وشروط اشتغال سائقي التوصيل والإجراءات التنظيمية الجديدة.
ومن المنتظر أن يوفر اللقاء فضاء لبحث أسباب الحوادث المرتبطة بالدراجات، وتأثير السرعة وضعف التجهيزات والضغط المهني، إضافة إلى تقييم قدرة مراكز التسجيل والفحص التقني على استيعاب التحولات المقبلة.
كما اتفقت «نارسا» والفدرالية على مواصلة عقد لقاءات تواصلية خلال المرحلة المقبلة، بهدف مواكبة تنفيذ الإجراءات ومعالجة الصعوبات التي قد تظهر على أرض الواقع.
وتكشف الملفات المطروحة أن إعادة تنظيم قطاع الدراجات لن تنجح بالوثائق والصفائح وحدها، بل تتطلب الجمع بين سلامة المركبة وحماية السائق وتنظيم علاقة شركات التوصيل بالعاملين وتوفير بنية إدارية قادرة على تقديم الخدمات دون ازدحام أو تعقيد.
وبذلك، تدخل الدراجات النارية وخدمات التوصيل مرحلة تنظيمية جديدة، سيكون نجاحها مرتبطا بوضوح النصوص وواقعية الآجال والتزام الشركات بحماية السائقين، إلى جانب توفير معلومات رسمية تمنع انتشار التأويلات الخاطئة بشأن موعد يناير 2027.








