كوثر بوجوال
دعم الرأس الأخضر لمغربية الصحراء تعزز بموقف دبلوماسي جديد أعلنته حكومة برايا من نيويورك، حيث جددت تأكيد مساندتها لسيادة المملكة المغربية ووحدتها الترابية على كامل أراضيها، بما في ذلك أقاليمها الجنوبية، مع دعمها الكامل لمخطط الحكم الذاتي باعتباره الحل الوحيد للنزاع الإقليمي.
وجاء تجديد هذا الموقف في بلاغ مشترك وُقع عقب مباحثات جمعت وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، بوزير الشؤون الخارجية والدفاع بجمهورية الرأس الأخضر، مانويل أوغوستو ليما أمانتي دا روزا، على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
ويؤكد الموقف الجديد استمرارية الدعم الذي تعبر عنه الرأس الأخضر لمغربية الصحراء، سواء من خلال تصريحات مسؤوليها أو عبر افتتاح قنصلية عامة بمدينة الداخلة، وهي خطوة دبلوماسية تعكس اعترافا عمليا بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وتترجم رغبة البلدين في تعزيز حضورهما المشترك داخل الفضاء الإفريقي الأطلسي.
الرأس الأخضر تؤكد ثبات موقفها من الصحراء
أكد مانويل أوغوستو ليما أمانتي دا روزا دعم بلاده لسيادة المملكة المغربية ووحدتها الترابية على كامل أراضيها، بما في ذلك منطقة الصحراء، مجددا التأييد الكامل للمخطط المغربي للحكم الذاتي.
ويكتسي هذا الموقف أهمية خاصة لأنه لا يقتصر على اعتبار المبادرة المغربية أرضية قابلة للنقاش، بل يقدمها باعتبارها الحل الوحيد القادر على إنهاء النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية.
ويعكس هذا التعبير وضوحا متزايدا في مواقف عدد من الدول الإفريقية التي انتقلت من الدعوة العامة إلى حل سياسي، إلى إعلان دعم صريح لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
كما ينسجم موقف الرأس الأخضر مع الدينامية الدولية التي أطلقها الملك محمد السادس لفائدة الحل الواقعي والعملي والدائم، والقائم على تمكين سكان الأقاليم الجنوبية من تدبير شؤونهم المحلية في إطار السيادة والوحدة الترابية للمملكة.
ولا يمثل هذا الإعلان تحولا مفاجئا في سياسة برايا، بل يأتي امتدادا لمواقف سابقة عبرت فيها السلطات الرأس أخضرية عن دعمها الثابت للمغرب. ففي فبراير 2025، أكدت البلاد مجددا مساندتها للوحدة الترابية للمملكة، واعتبرت الحكم الذاتي الحل الوحيد الموثوق والواقعي لهذا النزاع الإقليمي.
القنصلية في الداخلة تترجم الدعم سياسيا
يشكل افتتاح القنصلية العامة لجمهورية الرأس الأخضر بمدينة الداخلة في غشت 2022 أحد أبرز المؤشرات العملية على قوة موقفها الداعم لمغربية الصحراء.
فافتتاح تمثيلية قنصلية في الأقاليم الجنوبية لا يقتصر على رمزية دبلوماسية، بل يرتبط بتقديم الخدمات القنصلية وتطوير المبادلات الاقتصادية وتشجيع التعاون والاستثمار داخل المنطقة.
وقد أشاد ناصر بوريطة خلال مباحثاته في نيويورك بهذا القرار، معبرا عن شكر المغرب للرأس الأخضر على دعمها الثابت والقوي للوحدة الترابية للمملكة وسيادتها على صحرائها.
وتندرج القنصلية الرأس أخضرية ضمن شبكة متنامية من التمثيليات الدبلوماسية التي افتتحتها دول إفريقية وعربية وأجنبية في مدينتي العيون والداخلة، بما يعكس اتساع الاعتراف الدولي بالسيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية.
وتساهم هذه القنصليات أيضا في تعزيز موقع الصحراء المغربية بوصفها بوابة اقتصادية وتجارية تربط المملكة بعمقها الإفريقي، خاصة في ظل المشاريع التنموية الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
إشادة بالقرار الأممي 2797
أشادت جمهورية الرأس الأخضر باعتماد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار رقم 2797 المتعلق بقضية الصحراء، والذي جدد ولاية بعثة الأمم المتحدة في المنطقة إلى غاية 31 أكتوبر 2026.
ويعكس هذا الترحيب دعم برايا للمسار السياسي الذي تشرف عليه الأمم المتحدة، بالتوازي مع موقفها الواضح المساند لمبادرة الحكم الذاتي ولسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
ويقوم الموقف المغربي على التمسك بالعملية السياسية الأممية ضمن إطار واقعي، بعيدا عن الأطروحات المتجاوزة التي أثبتت عقود من الجمود استحالة تطبيقها، مع التأكيد أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمثل أساس الحل النهائي.
كما تعتبر الرباط أن تسوية النزاع تقتضي مشاركة الأطراف المعنية وتحملها لمسؤولياتها السياسية، خصوصا الجزائر التي تستضيف وتدعم جبهة البوليساريو الانفصالية وتبقى طرفا رئيسيا في النزاع الإقليمي.
وتراهن الدبلوماسية المغربية على استمرار الزخم الدولي الداعم للحكم الذاتي، في ظل تزايد عدد الدول التي تعتبر المبادرة المغربية أساسا جديا وذا مصداقية، أو الحل الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق، أو الحل الوحيد للنزاع.
شراكة تتجاوز الملف السياسي
لم تقتصر مباحثات بوريطة ودا روزا على قضية الصحراء المغربية، بل شملت أيضا سبل تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون بين البلدين في مجموعة من القطاعات ذات الأولوية.
وجدد الوزيران حرصهما على المحافظة على تميز العلاقات القائمة بين الرباط وبرايا، التي ترتكز على الصداقة والتعاون والتضامن، مع التعبير عن إرادتهما في الارتقاء بالشراكة الثنائية إلى مستويات أوسع.
وأكد ناصر بوريطة استعداد المغرب لمواكبة جمهورية الرأس الأخضر في تنمية عدد من القطاعات، خاصة الصحة والسياحة والصيد البحري والفلاحة والاقتصاد الأزرق والانتقال الطاقي.
وتنسجم هذه المجالات مع طبيعة الرأس الأخضر باعتبارها دولة جزرية تعتمد بدرجة كبيرة على موارد البحر والسياحة والطاقة، فيما راكم المغرب خبرة مهمة في تطوير الطاقات المتجددة والصيد البحري وتحديث البنيات الصحية والفلاحية.
ومن شأن توسيع التعاون في الاقتصاد الأزرق أن يفتح أمام البلدين فرصا جديدة في استثمار الموارد البحرية وتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية وحماية الأنظمة البيئية، مع الاستفادة من موقعهما داخل الواجهة الأطلسية للقارة الإفريقية.
واتفق الجانبان على عقد الدورة الثالثة للجنة المشتركة للتعاون خلال الربع الأول من سنة 2027، بهدف استكشاف فرص جديدة للشراكة ومنح دفعة إضافية لمختلف مجالات التعاون.
الرأس الأخضر تدعم المبادرات الملكية الإفريقية
أشادت جمهورية الرأس الأخضر بريادة الملك محمد السادس في إطلاق مبادرات ترمي إلى تحقيق السلام والاستقرار والازدهار المشترك داخل القارة الإفريقية.
ونوهت، على وجه الخصوص، بمبادرة الدول الإفريقية الأطلسية التي تسعى إلى تنظيم التعاون بين الدول المطلة على المحيط الأطلسي، وتعزيز التنسيق في مجالات الأمن والاقتصاد والطاقة وحماية البيئة البحرية.
وتكتسي هذه المبادرة أهمية بالنسبة إلى الرأس الأخضر بحكم موقعها الجغرافي في المحيط الأطلسي، واعتمادها على الاقتصاد البحري والربط الجوي والملاحة والتجارة الدولية.
كما أشادت برايا بالمبادرة الملكية الهادفة إلى تمكين دول الساحل من الوصول إلى المحيط الأطلسي، باعتبارها مشروعا استراتيجيا يسعى إلى فك العزلة عن دول إفريقية غير ساحلية وربطها بالبنيات المينائية والطرق التجارية.
ويمثل انخراط الرأس الأخضر في هذه الدينامية إضافة إلى الرؤية المغربية الرامية إلى تحويل الفضاء الأطلسي الإفريقي إلى منطقة للتكامل والتنمية، بدل بقائه مجالا للمخاطر الأمنية والهجرة غير النظامية والتحديات الاقتصادية.
موقف يعزز الزخم الداعم للمغرب
يأتي تجديد دعم الرأس الأخضر في سياق دولي يتسم بتوسع دائرة الدول المؤيدة لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي، سواء عبر المواقف الرسمية أو افتتاح القنصليات أو إبرام اتفاقيات تشمل الأقاليم الجنوبية للمملكة.
ويؤكد الموقف أن قضية الصحراء المغربية لم تعد تُناقش فقط ضمن مقاربة تدبير النزاع، بل أصبحت مرتبطة أيضا بمشاريع التعاون الإقليمي والاستقرار والتنمية والاندماج الاقتصادي في إفريقيا.
كما يمنح الدعم الصادر عن دولة إفريقية أطلسية بعدا إضافيا للتحرك الدبلوماسي المغربي، بالنظر إلى الدور الذي تسعى المملكة إلى الاضطلاع به في بناء فضاء أطلسي إفريقي أكثر تكاملا وقدرة على مواجهة التحديات المشتركة.
ويترجم البلاغ المشترك الموقع في نيويورك تقاربا سياسيا واضحا بين المغرب والرأس الأخضر، يقوم على دعم الوحدة الترابية للمملكة، وتطوير التعاون الثنائي، والانخراط في المبادرات الإفريقية التي يقودها الملك محمد السادس.
وبذلك، يجمع موقف برايا بين الدعم الدبلوماسي الصريح لمغربية الصحراء، والحضور القنصلي في الداخلة، والرغبة في بناء شراكة اقتصادية وتنموية أوسع مع المملكة، بما يجعل العلاقات بين البلدين نموذجا للتعاون الإفريقي القائم على التضامن والمصالح المشتركة.








