إعلان
980×90
مساحة إعلانية
مجتمع

حملة بني ملال لإخلاء تجمعات المهاجرين تثير جدلا واسعا

15:06 · 08/10/2026

منال الهداوي

باشرت السلطات المحلية بمدينة بني ملال حملة لإخلاء عدد من التجمعات التي تضم مهاجرين من دول جنوب الصحراء، خصوصا في محيط المحطة الطرقية وبعض الفضاءات العمومية، في خطوة تعكس رغبة واضحة في إعادة تنظيم هذه المناطق ومعالجة وضعية أصبحت تثير انتباه سكان المدينة خلال الفترة الأخيرة.

وتأتي هذه العملية في سياق يعرف فيه موضوع استغلال الفضاءات العمومية نقاشا متزايدا، ليس فقط في بني ملال، بل في عدد من المدن التي تواجه تحديات مرتبطة بانتشار تجمعات غير منظمة في محيط المحطات والحدائق والأرصفة وبعض المناطق المفتوحة. ولذلك، فإن التعامل مع مثل هذه الوضعيات لا يرتبط فقط بالجانب الأمني أو الإداري، بل يطرح كذلك أسئلة اجتماعية وإنسانية تحتاج إلى مقاربة متوازنة.

ومن جهة أخرى، يبدو من الطبيعي ان تسعى السلطات إلى الحفاظ على انسيابية الحركة داخل المدينة وتنظيم استعمال الأماكن العمومية، خصوصا عندما تتحول بعض النقاط إلى فضاءات للإقامة المؤقتة أو نصب الخيام بشكل غير منظم. فالمجال العام ملك لجميع المواطنين والمقيمين، وتنظيمه يظل جزءا من مسؤولية المؤسسات المحلية، شريطة ان تتم الإجراءات في إطار القانون وبما يحفظ كرامة جميع الأشخاص المعنيين.

وفي المقابل، فإن إخلاء التجمعات لا يعني بالضرورة انتهاء المشكلة، إذ قد يؤدي غياب بدائل واضحة إلى انتقال الأشخاص المعنيين من مكان إلى آخر، وبالتالي استمرار الظاهرة في صورة مختلفة. ومن هنا تبرز أهمية النظر إلى الموضوع باعتباره قضية تحتاج إلى معالجة متعددة الجوانب، تجمع بين تنظيم الفضاءات العمومية وفهم الظروف التي دفعت هؤلاء الأشخاص إلى الاستقرار المؤقت في هذه المناطق.

كما ان طبيعة هذه التجمعات تجعل من الضروري التمييز بين الحالات المختلفة وعدم التعامل معها باعتبارها وضعية واحدة. فوجود أشخاص مهاجرين في فضاء عمومي لا يعني في حد ذاته وجود مخالفة أو تهديد، كما ان وجود بعض السلوكات المقلقة، إذا ثبتت، لا ينبغي ان يقود إلى تعميمها على جميع الأفراد الموجودين في المكان نفسه. ويظل التقييم الموضوعي لكل حالة على حدة عاملا أساسيا في ضمان عدالة التدخل وفعاليته.

إقرأ أيضا : سبتة-المحتلة-تفتح-ملفات-المهاجرين

وفي السياق نفسه، يظل الحفاظ على النظام العام مطلبا مشروعا بالنسبة إلى سكان بني ملال، خاصة عندما ترتبط بعض التجمعات بمظاهر عشوائية أو تعيق حركة المواطنين أو تؤثر على صورة بعض المرافق والمناطق الحيوية. ومن حق الساكنة كذلك ان تجد فضاءاتها العمومية منظمة وآمنة وقابلة للاستعمال بشكل طبيعي، وهو ما يجعل تدخل السلطات مفهوما من حيث المبدأ.

لكن، في المقابل، يفرض البعد الانساني نفسه بقوة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأشخاص يعيشون ظروفا اجتماعية صعبة أو يفتقرون إلى السكن المستقر والخدمات الأساسية. فالمعالجة التي تكتفي بالإخلاء قد تحقق نتيجة آنية على مستوى المشهد الحضري، لكنها قد لا تقدم حلا دائما للمشكلة، ما لم ترافقها إجراءات أخرى تأخذ بعين الاعتبار طبيعة الوضع الاجتماعي والقانوني للأشخاص المعنيين.

وعلاوة على ذلك، فإن نجاح أي حملة من هذا النوع لا يقاس فقط بعدد الخيام التي تمت إزالتها أو بعدد التجمعات التي جرى تفكيكها، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق توازن فعلي بين متطلبات النظام العام واحترام الحقوق الأساسية. فالتدبير المحلي الناجح هو الذي يعالج مصدر الإشكال وليس فقط مظهره الخارجي، ويحول التدخل المؤقت إلى جزء من سياسة أكثر وضوحا واستمرارية.

ومن ناحية أخرى، تبرز أهمية التنسيق بين مختلف المتدخلين، بالنظر إلى ان الظاهرة تتقاطع فيها جوانب إدارية وأمنية واجتماعية وصحية وانسانية. فكل جهة لها دور محدد، غير ان النتائج الأكثر استدامة تحتاج إلى انسجام في التدخل وتبادل للمعلومات واعتماد حلول لا تقتصر على الإجراءات الميدانية وحدها.

وفي هذا الإطار، يمكن ان يشكل تنظيم الفضاءات العمومية فرصة لإعادة التفكير في الطريقة التي تتعامل بها المدن مع ظاهرة الهجرة العابرة أو الاستقرار المؤقت لبعض الفئات. فبني ملال، مثل مدن أخرى، قد تجد نفسها أمام تحولات ديموغرافية واجتماعية لم تكن حاضرة بهذا الشكل في السابق، الأمر الذي يستدعي سياسات محلية أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع الواقع.

كذلك، فإن الحديث عن المهاجرين يحتاج إلى قدر من الهدوء والابتعاد عن الصور النمطية. فاختلاف الوضعيات القانونية والاجتماعية والاقتصادية يجعل التعميم غير مفيد، كما ان تحميل مجموعة كاملة مسؤولية تصرفات أفراد محددين قد يزيد من التوتر بدل ان يساعد على معالجة أصل المشكلة. لذلك، تبقى لغة المؤسسات والمجتمع والإعلام عاملا مهما في توجيه النقاش نحو حلول عملية بعيدا عن التخويف أو الوصم.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل شكايات السكان عندما تكون مرتبطة بمشاكل حقيقية في محيط سكنهم أو في الأماكن التي يرتادونها يوميا. فالاستماع إلى الساكنة جزء أساسي من التدبير المحلي، كما ان حماية النظام العام مسؤولية لا يمكن فصلها عن احترام حقوق الجميع. والمطلوب في هذه الحالة ليس اختيار طرف على حساب طرف آخر، بل البحث عن صيغة تحقق أكبر قدر ممكن من التوازن.

وبناء على ذلك، تبدو حملة بني ملال لإخلاء تجمعات المهاجرين محطة تفتح نقاشا أوسع من حدود العملية الميدانية نفسها. فهي تطرح سؤالا حول كيفية إدارة الفضاءات العمومية، وكيفية التعامل مع الهجرة، وما اذا كانت الحلول الأمنية والإدارية وحدها كافية لمعالجة ظواهر اجتماعية مركبة. والإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى مقاربة هادئة تستند إلى القانون والوقائع، وتضع في الوقت نفسه كرامة الإنسان وسلامة المجتمع ضمن الأولويات.

وفي النهاية، يبقى التحدي الحقيقي هو الانتقال من منطق التدخل الظرفي إلى منطق المعالجة المستدامة. فتنظيم المدينة مطلب مشروع، والحفاظ على النظام العام ضرورة، لكن نجاح أي سياسة في هذا المجال يقاس كذلك بقدرتها على منع عودة المشكلة وتوفير مقاربات تراعي مختلف الأطراف. وبين هذه الاعتبارات، تبدو الحاجة واضحة إلى حلول متوازنة تجعل من الفضاء العمومي مجالا منظما ومتاحا للجميع، من دون ان يتحول النقاش حول الهجرة إلى مصدر للتوتر أو التعميم.