إعلان
980×90
مساحة إعلانية
أنشطة ملكية

الخطاب الملكي يفتتح مرحلة سياسية جديدة أمام حكومة المنصوري وبرلمان الولاية الثانية عشرة

13:30 · 09/10/2026

رحاب الغرباوي

تتجه الأنظار إلى الخطاب الملكي المرتقب بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية للولاية الثانية عشرة، في موعد يتجاوز طابعه الدستوري ليرسم ملامح المرحلة السياسية المقبلة، وسط انتظارات اجتماعية متزايدة وتحديات اقتصادية وجيوسياسية تفرض على المؤسسات المنتخبة تحديد أولوياتها وتحويل الوعود الانتخابية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ.

ويأتي هذا الموعد، اليوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، عقب انتخابات 23 شتنبر التي أفرزت توازنا سياسيا جديدا داخل مجلس النواب، وتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الأغلبية المقبلة. ويضع هذا التحول الحكومة المرتقبة أمام اختبار مبكر يتعلق بقدرتها على صياغة برنامج يستجيب للانتظارات الشعبية، فيما تنتظر المؤسسة التشريعية مرحلة جديدة من العمل الرقابي والتشريعي في ظل الخريطة الحزبية التي أفرزتها صناديق الاقتراع.

وتمنح المقتضيات الدستورية هذه المحطة مكانة خاصة ضمن الحياة المؤسساتية للمملكة، إذ ينص الفصل 65 على افتتاح البرلمان دورته في الجمعة الثانية من أكتوبر، بينما يحدد الفصل 42 مكانة الملك باعتباره رئيس الدولة ورمز وحدة الأمة وضامن دوام الدولة واستمرارها، والساهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستورية.

وتتجه أهمية الخطاب إلى ما يمكن أن يحمله من توجيهات بشأن أولويات العمل الوطني، في مرحلة تحتاج فيها الحكومة المقبلة إلى ترتيب الملفات الأكثر إلحاحا، مع الحفاظ على استمرارية المشاريع الاستراتيجية وتسريع وتيرة الإصلاحات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ويتصدر الملف الاجتماعي قائمة التحديات المطروحة، في ظل استمرار المطالب بتحسين جودة الخدمات الصحية والتعليمية، وتوسيع فرص الشغل، وتيسير الولوج إلى السكن، وتعزيز الحماية الاجتماعية. كما تظل القدرة الشرائية من أبرز القضايا التي تنتظر إجراءات عملية، خصوصا مع الضغوط المرتبطة بأسعار المحروقات والمواد الأساسية وتكاليف المعيشة.

وتفرض هذه الملفات على الحكومة الجديدة البحث عن توازن بين الإمكانات المالية للدولة وحجم الحاجيات الاجتماعية، مع تقوية فعالية المرافق العمومية وتقليص الفوارق بين الجهات والمناطق، حتى لا تظل الإصلاحات حبيسة البرامج والالتزامات السياسية. كما يرتبط نجاح المرحلة بمدى قدرة المؤسسات على تقديم نتائج ملموسة في التشغيل وتحسين الدخل وتجويد الخدمات الأساسية.

وعلى المستوى الاقتصادي، يتقاطع افتتاح السنة التشريعية مع التحضير للبرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية لسنة 2027، وهما محطتان ستحددان إلى حد كبير اتجاه السياسات العمومية خلال المرحلة المقبلة. ويبرز الرهان هنا في توجيه الموارد نحو الأولويات الاجتماعية والاستثمار المنتج، مع ضمان استمرارية الأوراش الكبرى والاستجابة للضغوط التي تواجه الأسر والمقاولات.

وخارجيا، ينعقد البرلمان على وقع تطورات متسارعة في ملف الصحراء المغربية، بالتزامن مع الاستحقاقات المرتبطة بمجلس الأمن خلال أكتوبر، وما تطرحه من تحديات دبلوماسية تتصل بتعزيز الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. ويظل هذا الملف من القضايا الاستراتيجية التي تتطلب مواصلة التحرك الدبلوماسي وتثبيت المكاسب التي حققتها المملكة في علاقاتها الثنائية ومتعددة الأطراف.

كما يعود ملف سبتة ومليلية والجزر التي تخضع للسيطرة الإسبانية إلى واجهة الاهتمام، بالتزامن مع الزيارة المرتقبة للعاهل الإسباني فيليبي السادس إلى المغرب يومي 13 و14 أكتوبر. وتضفي هذه الزيارة أهمية خاصة على العلاقات المغربية الإسبانية، بالنظر إلى تشابك المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية بين البلدين، وحساسية القضايا المرتبطة بالسيادة وتدبير العلاقات الثنائية.

وتتجاوز التحديات الخارجية هذين الملفين لتشمل التحولات الأمنية في منطقة الساحل والصحراء، وتداعيات التنافس الدولي على الشراكات الاستراتيجية، فضلا عن قضايا الأمن الطاقي والمائي والغذائي. وهي ملفات تفرض على المغرب مواصلة تنويع شراكاته وتعزيز حضوره الإفريقي والمتوسطي، بالتوازي مع حماية مصالحه الوطنية في بيئة دولية تتسم بتزايد التقلبات.

وفي الداخل، سيكون أداء البرلمان محكوما بقدرته على مواكبة هذه التحديات عبر التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية، بما يضمن الانتقال من النقاش السياسي إلى محاسبة المؤسسات على النتائج. كما ستشكل العلاقة بين الأغلبية والمعارضة أحد محددات حيوية العمل البرلماني، خصوصا في القضايا التي تتطلب توافقا واسعا حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية.

وتحمل المرحلة المقبلة مسؤولية مزدوجة للحكومة والمؤسسة التشريعية؛ فمن جهة، يتعين الوفاء بالالتزامات التي قدمتها الأحزاب خلال الحملة الانتخابية، ومن جهة أخرى، يتطلب تدبير الشأن العام التعامل مع إكراهات الميزانية والتحولات الدولية دون الإخلال بالأولويات الاجتماعية.

وبين رهانات الإصلاح الداخلي ومتطلبات حماية المصالح الوطنية، تبرز قيمة الخطاب الملكي باعتباره محطة لتحديد التوجهات الكبرى للعمل المؤسساتي في بداية ولاية تشريعية جديدة. وستظل فعالية المرحلة رهينة بمدى ترجمة هذه التوجهات إلى برامج واضحة، وآجال محددة، وإجراءات قابلة للتقييم، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات ويجعل أثر السياسات العمومية ملموسا في حياتهم اليومية.