إعلان
980×90
مساحة إعلانية
سياسة

الملك محمد السادس يحسم الجدل: لا تأخير في تفعيل اللاتمركز الإداري

16:55 · 09/10/2026

منال الهداوي

شدد الملك محمد السادس على ضرورة الانتقال إلى مرحلة جديدة من تفعيل اللاتمركز الإداري، مؤكدا أن استمرار التأخر في تنزيل هذا الورش لم يعد مقبولا، في ظل الحاجة إلى تسريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتقريب القرار من المواطنين. ودعا إلى تجاوز الاختلالات التي تعرقل عمل المؤسسات الترابية، وتمكين الجهات والأقاليم من الصلاحيات والموارد اللازمة للقيام بأدوارها التنموية بكفاءة وفعالية.

وأوضح الملك، خلال افتتاح الدورة التشريعية، أن المرحلة المقبلة تقتضي التركيز على العمل الميداني، والإنصات إلى انتظارات المواطنين، والتعرف عن قرب على الصعوبات التي تواجه كل منطقة، بدل الاكتفاء بالمقاربات الإدارية التي قد لا تستجيب بشكل دقيق لحاجيات السكان. ويعكس هذا التوجه أهمية الانتقال من وضع الخطط والبرامج إلى تنفيذها على أرض الواقع، بما يضمن تحقيق نتائج ملموسة في مختلف جهات المملكة.

وفي هذا السياق، أكد الملك أن التنمية المندمجة وتحسين جودة الخدمات العمومية وتشجيع الاستثمار المنتج ترتبط ارتباطا وثيقا بتقدم الجهوية المتقدمة، وبمدى القدرة على تفعيل اللاتمركز الإداري بصورة كاملة. فنجاح هذا المسار لا يتوقف على نقل بعض الاختصاصات بشكل شكلي، بل يستلزم توفير الشروط الضرورية التي تمكن المؤسسات الترابية من اتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع في آجال معقولة.

كما شدد على أن نقل الصلاحيات من الإدارة المركزية إلى المصالح الجهوية والإقليمية ينبغي أن يواكبه توفير الموارد البشرية والمالية الضرورية، حتى تتمكن الإدارات المحلية من الاضطلاع بمسؤولياتها دون عراقيل متكررة. ويطرح هذا التوجه تحديا يرتبط بمدى استعداد مختلف الإدارات لتغيير أساليب العمل، وتوزيع المسؤوليات بشكل أوضح، وتسهيل معالجة الملفات التي تهم المواطنين والمستثمرين.

ومن جهة أخرى، دعا الملك إلى وضع حد للاختلالات التي تعيق أداء مؤسسات الجهات، مع ضرورة تحديد اختصاصاتها بصورة دقيقة، وتعزيز إمكاناتها المادية والبشرية. ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة، لأن فعالية المؤسسات المنتخبة والإدارية تظل مرتبطة بوضوح الأدوار والمسؤوليات، وبقدرتها على التنسيق فيما بينها لإنجاز المشاريع والاستجابة للحاجيات المحلية.

إقرأ أيضا : جلالة-الملك-السنة-التشريعية

ويقتضي تطوير هذا المسار أيضا تنظيم العلاقات بين الدولة والجهات على أسس واضحة، من خلال إرساء آليات فعالة للتنسيق والتعاقد، بما يسمح بتحديد الالتزامات والأهداف والآجال، ويعزز ربط المسؤولية بالمحاسبة. ومن شأن هذه الإجراءات أن تساعد على تجاوز تداخل الاختصاصات، والحد من التأخر في اتخاذ القرارات، وتحسين تدبير البرامج التنموية التي تتطلب تدخل أكثر من مؤسسة.

ولا يقتصر الرهان على الجوانب الإدارية والتنظيمية، بل يمتد إلى الأثر المباشر الذي يمكن أن يحدثه اللاتمركز الإداري في حياة المواطنين. فكلما أصبحت القرارات أقرب إلى المجال الترابي الذي تعنيه، ازدادت فرص تحديد الأولويات الحقيقية، سواء تعلق الأمر بالخدمات الصحية والتعليمية، أو بالبنيات التحتية، أو بتشجيع الأنشطة الاقتصادية، أو بتوفير الظروف الملائمة للاستثمار وخلق فرص الشغل.

وفي موازاة ذلك، أبرز الملك أن المغرب يواصل الانخراط في دينامية من الإصلاحات والمشاريع الكبرى، في سياق دولي يتسم بتسارع التحولات الجيواقتصادية وتزايد التحديات المرتبطة بالتنافسية والموارد والاستقرار الاقتصادي. وتفرض هذه التحولات، بحسب التوجهات التي تضمنها الخطاب، مواصلة إنجاز مشاريع البنية التحتية، مع العمل على إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات القادرة على مواكبة التحولات وتلبية الحاجيات المستقبلية.

وتشمل المجالات المطروحة في هذا الإطار الأمن المائي والطاقي والغذائي، إلى جانب تطوير الصناعة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. وتكتسي هذه القطاعات أهمية متزايدة في ظل التغيرات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وما تفرضه من ضرورة تعزيز قدرة المغرب على تأمين احتياجاته الأساسية، وتطوير إنتاجه الوطني، ورفع مستوى تنافسيته في الأسواق.

كما دعا الملك إلى التعجيل بتفعيل التدابير المتاحة في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وتأمين تزويد البلاد بالمواد الأساسية. ويبرز هذا التوجه أهمية الاستعداد للمخاطر المحتملة، وتعزيز قدرة المؤسسات والقطاعات الإنتاجية على مواجهة الاضطرابات التي قد تؤثر على سلاسل التوريد أو على استقرار الأسواق.

وفي الجانب الاقتصادي، وجه الملك دعوة إلى القطاع الخاص الوطني للاضطلاع بدور استراتيجي في التحول التنموي، عبر تعزيز المبادرة والابتكار، وتوسيع الاستثمارات المنتجة، والمساهمة في خلق فرص الشغل وتطوير الصادرات. ويجعل هذا التوجه من الاستثمار الخاص أحد المكونات الأساسية لدعم النمو الاقتصادي، شريطة أن يرتبط بخلق قيمة مضافة وبفرص عمل تستجيب لانتظارات المجتمع.

وبالتوازي مع ذلك، وضع الملك قضايا الشباب في صدارة الاهتمامات العمومية، داعيا إلى بلورة رؤية متكاملة تضمن تكافؤ الفرص في التعليم والتكوين والتأهيل والإدماج الاقتصادي. ويعكس هذا التوجه أهمية ربط السياسات التنموية بقدرة الشباب على الاندماج في سوق الشغل، والاستفادة من فرص المبادرة والمشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

ويظل تمكين الشباب من فرص حقيقية لبناء مستقبلهم رهينا بتوفير تعليم ملائم، وتكوين يستجيب للتحولات الاقتصادية، ومبادرات تساعد على الانتقال من مرحلة الدراسة إلى العمل والإنتاج. كما أن تعزيز الثقة في المؤسسات يقتضي أن يشعر الشباب بأن السياسات العمومية تفتح أمامهم آفاقا واضحة للتقدم الاجتماعي، في إطار من الحرية والكرامة والاستقرار.

وبذلك، يضع الخطاب الملكي تفعيل اللاتمركز الإداري ضمن رهانات أوسع تتعلق بتحديث الإدارة، وتحسين الحكامة الترابية، وتسريع الاستثمار، وتطوير الخدمات العمومية. ويظل التحدي الأساسي في المرحلة المقبلة هو تحويل التوجيهات إلى إجراءات عملية، من خلال نقل الاختصاصات والموارد، وتوضيح المسؤوليات، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، حتى تصبح التنمية أقرب إلى المواطنين وأكثر استجابة لانتظاراتهم.