كوثر بوجوال
تتحول ملايين الأجهزة الكهربائية والإلكترونية المستعملة إلى تحدٍّ بيئي واقتصادي متزايد في المغرب، مع تسارع وتيرة اقتناء الهواتف والحواسيب والمعدات المنزلية واستبدالها بأخرى حديثة، في وقت تكشف فيه التوقعات عن ارتفاع حجم النفايات الإلكترونية إلى 213 ألف طن بحلول سنة 2030.
وتأتي هذه المؤشرات بمناسبة اليوم العالمي للنفايات الإلكترونية، الذي يصادف 14 أكتوبر من كل سنة، ويُخلد هذه السنة تحت شعار «التكنولوجيا السريعة: لا ترمها، بل أعدها!»، بهدف التحسيس بأهمية إصلاح الأجهزة القديمة وإعادة استخدامها وتدوير مكوناتها عوض التخلص منها بطرق قد تضر بالبيئة والصحة.
وتكشف المعطيات الصادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن المغرب أنتج نحو 177 ألف طن من نفايات الأجهزة الكهربائية والإلكترونية سنة 2022، بمعدل 4,8 كيلوغرامات للفرد، مع توقع ارتفاع الكميات إلى 213 ألف طن بحلول سنة 2030.
ويعكس هذا التطور اتساع استعمال الأجهزة الإلكترونية في الحياة اليومية، مقابل استمرار التحديات المرتبطة بجمعها ومعالجتها والاستفادة من المواد القابلة لإعادة التدوير الموجودة داخلها.
النفايات الإلكترونية في المغرب بين المخاطر البيئية وضعف التدوير
يرتبط ارتفاع النفايات الإلكترونية بتعدد الأجهزة المستعملة داخل المنازل والمؤسسات، والتطور التكنولوجي المتسارع الذي يدفع المستهلكين إلى استبدال معداتهم خلال فترات أقصر.
وأوضح سعيد أبرابري، عضو التحالف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة، أن هذا الوضع يتأثر أيضاً بتغير أنماط الاستهلاك وارتفاع تكاليف إصلاح بعض الأجهزة، فضلاً عن صعوبة الحصول على قطع الغيار والخدمات التقنية المناسبة.
وأشار إلى أن عدداً من الأجهزة القديمة يظل مخزناً داخل المنازل لفترات طويلة، قبل التخلص منه دون الاستفادة من إمكانات إصلاحه أو إعادة استخدامه.
وتزداد خطورة هذه النفايات بسبب احتوائها على مواد يمكن استرجاعها وتثمينها اقتصادياً، إلى جانب مكونات قد تتسبب في تلوث التربة والمياه عند التخلص منها بصورة عشوائية.
كما أن حرق الأجهزة أو تفكيكها دون وسائل وقاية مناسبة قد يؤدي إلى إطلاق ملوثات ضارة، وتعريض العاملين في جمع النفايات ومعالجتها لمخاطر صحية.
وتكشف إحصائيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن نسبة النفايات الإلكترونية التي أُعيد تدويرها بالمغرب لم تتجاوز 13 في المائة سنة 2020، وهو مؤشر يبرز محدودية الاستفادة من هذه الموارد.
ويرتبط هذا الوضع، وفق المعطيات المتاحة، بضعف التنسيق بين الفاعلين العموميين والخواص وغياب رؤية مشتركة لتنظيم عمليات الجمع والتدوير والتثمين.
قطاع قادر على تحقيق 1,2 مليار درهم
إلى جانب المخاطر البيئية، تفتح معالجة النفايات الإلكترونية آفاقاً اقتصادية مهمة، بالنظر إلى المواد والمعادن القابلة للاسترجاع الموجودة داخل الأجهزة المستعملة.
وكان ائتلاف تثمين النفايات «كوفاد» قد قدر، سنة 2021، إمكانية تحقيق القطاع رقم معاملات يصل إلى 1,2 مليار درهم، ما يبرز الفرص المرتبطة بتطوير أنشطة الجمع والمعالجة وإعادة التدوير.
ويمكن لهذا التوجه أن يساهم في دعم الاقتصاد الدائري، الذي يقوم على إطالة مدة استعمال المنتجات واسترجاع المواد القابلة للاستفادة منها، بدلاً من تحويلها مباشرة إلى نفايات.
غير أن الاستفادة من هذه الإمكانات تتطلب تطوير منظومة منظمة، قادرة على استيعاب الكميات المتزايدة من الأجهزة المتقادمة، وضمان معالجتها داخل منشآت متخصصة تستجيب للمعايير البيئية والصحية.
إصلاح الأجهزة وتوسيع نقاط الجمع لمواجهة التحدي
أكد أبرابري أن الحد من النفايات الإلكترونية يبدأ قبل مرحلة إعادة التدوير، من خلال إطالة العمر الافتراضي للأجهزة وتشجيع إصلاحها وتسهيل الحصول على قطع الغيار.
كما دعا إلى اعتماد التصميم الإيكولوجي، الذي يراعي إمكانية إصلاح المنتجات وتفكيكها واسترجاع مكوناتها، إلى جانب تفعيل مبدأ المسؤولية الممتدة للمنتجين، بما يعزز مساهمة المصنعين في استرجاع المعدات بعد انتهاء فترة استعمالها.
وعلى مستوى المستهلكين، تبرز أهمية توفير نقاط جمع واضحة وسهلة الولوج داخل المحلات التجارية والمؤسسات التعليمية والإدارات والجماعات الترابية، لتشجيع المواطنين على تسليم أجهزتهم القديمة عوض رميها مع النفايات المنزلية.
ويؤطر القانون رقم 28.00 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها الجوانب الأساسية للتدبير المستدام للنفايات بالمغرب، فيما يساهم المصنف المغربي للنفايات في تحديد الأصناف الخطرة ومتطلبات التعامل معها.
وتخضع النفايات الإلكترونية المصنفة خطرة لضوابط تتعلق بجمعها ونقلها وتخزينها ومعالجتها، بما يستدعي الاستعانة بمنشآت مؤهلة للحد من المخاطر المرتبطة بمكوناتها.
ومع اقتراب حجم النفايات الإلكترونية في المغرب من عتبة 213 ألف طن المتوقعة سنة 2030، يبرز توسيع عمليات الإصلاح والجمع والتثمين باعتباره رهاناً يجمع بين حماية البيئة واستثمار الموارد الاقتصادية.
فالهاتف القديم أو الحاسوب المتوقف عن العمل قد يتحول من عبء بيئي إلى مصدر لمواد قابلة للاسترجاع، إذا توفرت منظومة فعالة تمنحه فرصة ثانية للاستعمال أو التدوير.



