رحاب الغرباوي
أعادت الزيارة التي يقوم بها العاهل الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة المحتلة، الثلاثاء 13 أكتوبر، على أن تشمل مليلية المحتلة الأربعاء، تسليط الضوء على أحد الملفات التاريخية العالقة بين المغرب وإسبانيا، والمتعلق بمستقبل المدينتين اللتين تتمسك المملكة المغربية بمغربيتهما وترفض استمرار خضوعهما للسيادة الإسبانية.

اقرأ أيضا:الخبث الإعلامي.. كيف توظف الجزائر “سبتة ومليلية” في حرب الاستنزاف المفتوحة؟
وتناولت مجلة «جون أفريك» الفرنسية قضية المدينتين من زاوية الإرث الاستعماري الأوروبي في شمال إفريقيا، معتبرة أن استمرار الوجود الإسباني فيهما يطرح تساؤلات تتجاوز الخلاف الثنائي بين الرباط ومدريد، لتشمل طبيعة التعامل الأوروبي مع القضايا المرتبطة بتصفية الاستعمار واحترام سيادة الدول.
ويعود الخلاف بشأن سبتة ومليلية إلى قرون من التحولات السياسية والتاريخية التي شهدتها المنطقة. ففي الوقت الذي تستند فيه مدريد إلى اعتبارات تاريخية تعود إلى القرن الخامس عشر لتبرير سيادتها على المدينتين، يعتبر المغرب أن استمرار السيطرة الإسبانية عليهما يمثل قضية مرتبطة بوحدته الترابية، وملفا تاريخيا لم تتم تسويته بعد.
وتعيد الزيارة الملكية الإسبانية هذا التباين إلى الواجهة، خاصة أن المدينتين تقعان جغرافيا في شمال إفريقيا، بينما تخضعان للإدارة والسيادة الإسبانية. ويطرح هذا الوضع نقاشا بشأن استمرار الحدود السياسية التي خلفتها مراحل التوسع الأوروبي، ومدى تأثيرها في العلاقات بين الدول حتى اليوم.
وسلطت المجلة الفرنسية الضوء على المفارقة القائمة بين الدعوات الأوروبية إلى إنهاء الاستعمار والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وبين استمرار وجود ملفات تاريخية مرتبطة بالسيطرة الأوروبية على أراض إفريقية. ويجعل هذا التناقض من سبتة ومليلية المحتلتين موضوعا يتجاوز أبعاده الثنائية، ليرتبط بنقاش أوسع حول الإرث الاستعماري وانعكاساته السياسية المعاصرة.
وتأتي هذه التطورات في وقت قطعت فيه العلاقات المغربية الإسبانية أشواطا مهمة في مجالات التعاون الاقتصادي والأمني وتدبير الهجرة، إلى جانب التنسيق بشأن عدد من القضايا الإقليمية. غير أن تطور الشراكة بين البلدين لم ينه الخلاف بشأن الوضع التاريخي والسيادي للمدينتين، اللتين تظلان ضمن الملفات التي تؤثر في طبيعة العلاقات بين الجارين.
ويكشف استمرار هذا الخلاف عن صعوبة الفصل بين المصالح الاستراتيجية المشتركة والقضايا المرتبطة بالذاكرة التاريخية والوحدة الترابية. فالتعاون في الملفات الاقتصادية والأمنية لا يعني بالضرورة تجاوز الاختلافات بشأن السيادة، كما أن الحفاظ على العلاقات الثنائية يظل مرتبطا بقدرة الطرفين على تدبير نقاط الخلاف دون الإضرار بمجالات التعاون الأخرى.
ومن المنظور المغربي، تندرج قضية سبتة ومليلية المحتلتين ضمن المطالب المرتبطة باستكمال الوحدة الترابية للمملكة، فيما تتمسك إسبانيا بموقفها القائم على اعتبار المدينتين جزءا من أراضيها. ويظل هذا التباين قائما رغم الروابط الجغرافية والتاريخية التي تجمع المدينتين بالمحيط المغربي.

وتطرح القراءة التي قدمتها «جون أفريك» تساؤلات بشأن الطريقة التي يمكن بها معالجة الملفات الموروثة عن الماضي الاستعماري في ظل التحولات التي تعرفها العلاقات الدولية، خصوصا عندما تتقاطع المطالب الوطنية مع اعتبارات السيادة والمصالح الاستراتيجية للدول.
وبين تمسك مدريد بموقفها التاريخي وإصرار الرباط على مغربية المدينتين، تستمر سبتة ومليلية المحتلتان في تمثيل إحدى أبرز القضايا العالقة في العلاقات المغربية الإسبانية. كما تعيد زيارة فيليبي السادس النقاش حول مستقبل هذا الملف إلى الواجهة، في ظل الحاجة إلى معالجة الخلافات التاريخية ضمن مسار سياسي يأخذ بعين الاعتبار مواقف الطرفين ومصالحهما المشتركة.




