منال الهداوي
أثار انسحاب نواب تحالف اليسار من الجلسة العمومية المخصصة لانتخاب رئيس جديد لمجلس النواب جدلا داخل المؤسسة التشريعية، بعدما اعترضوا على طريقة تدبير عملية التصويت وإعلان نتائجها، في تطور أضفى طابعا سياسيا على جلسة كان يفترض أن تقتصر على حسم هوية الرئيس الجديد للغرفة الأولى بالبرلمان المغربي.
وجاء هذا الموقف الاحتجاجي عقب إعلان نتائج الاقتراع الذي انتهى بفوز أحمد التويزي، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، برئاسة مجلس النواب، بعدما حصل على 220 صوتا، مقابل 59 صوتا لمنافسه إدريس الأزمي الإدريسي، القيادي في حزب العدالة والتنمية. وبينما حسمت الأرقام نتيجة المنافسة على رئاسة المجلس، انتقل النقاش داخل القاعة إلى مسألة احتساب الأصوات وطريقة التعامل مع موقف النواب الذين اختاروا الامتناع عن التصويت.
وفي هذا السياق، اعتبر أعضاء مجموعة تحالف اليسار أن عدم إدراج موقفهم ضمن الحصيلة المعلنة يستدعي توضيحا إجرائيا، خاصة أن اعتراضهم ارتبط بكيفية تقديم نتائج الاقتراع، وليس فقط بالحصيلة النهائية التي أفرزت الرئيس الجديد. ودفع هذا الخلاف ممثلي المجموعة إلى مغادرة الجلسة، بعد مطالبتهم بمنحهم نقطة نظام لطرح ملاحظاتهم بشأن تسيير الأشغال.
إقرأ أيضا :تحالف-اليسار-يطالب-بتجميد-انتخابات-
وسجلت الجلسة، وفق الأرقام التي أعلنها رئيسها عبد العزيز أبا، مشاركة واسعة في عملية التصويت، إذ بلغ مجموع الأصوات المعبر عنها 369 صوتا، توزعت بين 279 صوتا صحيحا و90 صوتا ملغى. غير أن النقطة التي فجرت الخلاف تمثلت في عدم ظهور موقف الامتناع ضمن النتائج المقدمة، وهو ما أثار اعتراض نواب التحالف ودفعهم إلى التشكيك في طريقة عرض الحصيلة أمام أعضاء المجلس.
ولم يتوقف احتجاج نواب تحالف اليسار عند تسجيل الملاحظة، بل امتد إلى المطالبة بالتدخل داخل الجلسة من خلال نقطة نظام تتعلق بالتسيير. وأوضح عمر محمود بنجلون، النائب عن التحالف، أن أعضاء المجموعة طالبوا بمنحهم الكلمة لعرض موقفهم، قبل أن يقرروا الانسحاب بعدما لم يتم تمكينهم من التدخل بالشكل الذي طالبوا به.
ويعكس هذا التطور أهمية التفاصيل الإجرائية في تدبير الجلسات البرلمانية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بانتخاب أحد أبرز المسؤولين داخل المؤسسة التشريعية. فإلى جانب التنافس السياسي بين المرشحين، تظل قواعد التصويت وإعلان النتائج وتنظيم تدخلات النواب عناصر أساسية في ضمان وضوح المسار الانتخابي واحترام حقوق مختلف المكونات البرلمانية.
وفي المقابل، جرت عملية انتخاب رئيس مجلس النواب تحت إشراف مكتب مؤقت ترأسه عبد العزيز أبا، النائب عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، والذي تولى تسيير الجلسة في إطار المقتضيات المنظمة لافتتاح الولاية التشريعية الجديدة الممتدة بين 2026 و2031. ويأتي هذا الإشراف ضمن ترتيبات مؤسساتية تهدف إلى تنظيم انتخاب الرئيس قبل انتقال المجلس إلى استكمال باقي هياكله وأجهزته.
وتنظم المادة 48 من النظام الداخلي لمجلس النواب هذه المرحلة، إذ تحدد كيفية تشكيل المكتب المؤقت ودعوة أعضاء المجلس إلى جلسة عمومية مخصصة لانتخاب الرئيس، كما تسند إلى الرئيس المؤقت مهمة تسيير الجلسات المرتبطة بهذه العملية بمساعدة المكتب المؤقت. وتكتسي هذه المقتضيات أهمية خاصة خلال بداية الولاية التشريعية، بالنظر إلى ضرورة تأمين انتقال منظم نحو استكمال تشكيل أجهزة المجلس.
ويعيد احتجاج تحالف اليسار النقاش حول كيفية تدبير الاختلاف داخل البرلمان، ومدى قدرة الإجراءات التنظيمية على استيعاب المواقف المتباينة للفرق والمجموعات النيابية. فالامتناع عن التصويت يختلف من حيث الدلالة السياسية عن التصويت لفائدة مرشح أو ضده، كما أن طريقة عرض نتائجه قد تكون محل نقاش عندما يرى أحد المكونات أن موقفه لم يظهر بصورة واضحة في الحصيلة الرسمية.
ومع ذلك، فإن الانسحاب من الجلسة لا يغير، في حد ذاته، النتيجة المعلنة لانتخاب رئيس مجلس النواب، لكنه يسلط الضوء على خلاف بشأن تدبير التصويت وحق النواب في التعبير عن ملاحظاتهم داخل الجلسات العمومية. ويظل تقييم هذا الخلاف مرتبطا بالتفاصيل الإجرائية المعتمدة وبكيفية توضيح الحصيلة، مع ضرورة التمييز بين الأرقام المعلنة والمواقف السياسية التي عبرت عنها مكونات المجلس.
وتكتسب هذه الواقعة أهمية إضافية مع انطلاق الولاية التشريعية الجديدة، التي ينتظر أن تشهد استكمال توزيع المسؤوليات داخل مجلس النواب وتنظيم عمل الفرق والمجموعات النيابية. كما تبرز الحاجة إلى تدبير الاختلافات داخل المؤسسة التشريعية وفق قواعد واضحة تضمن انتظام الجلسات، وتحافظ في الوقت نفسه على حق النواب في إبداء مواقفهم وممارسة أدوارهم الرقابية والتشريعية.
وبين حسم المنافسة على الرئاسة وتصاعد الاعتراض بشأن طريقة احتساب وعرض نتائج التصويت، يكشف انسحاب تحالف اليسار عن حضور البعد الإجرائي بقوة في المشهد البرلماني المغربي. ويظل الرهان خلال المرحلة المقبلة مرتبطا بقدرة مختلف المكونات على معالجة الخلافات التنظيمية داخل المؤسسات، بما يضمن استمرارية العمل البرلماني ويحافظ على الثقة في قواعده وآليات تدبيره.







