إعلان
980×90
مساحة إعلانية
اقتصاد

الهيدروجين الأخضر يفتح طريقا جديدا بين طانطان والمحمدية

11:53 · 11/09/2026

هجر إمغري

يتجه المغرب إلى تعزيز موقعه ضمن خريطة اقتصاد الهيدروجين الأخضر، بعدما طرحت دراسة حديثة تصورا لشبكة وطنية واسعة لنقل هذه الطاقة من مناطق الإنتاج في الجنوب نحو المراكز الصناعية واللوجستية والموانئ في وسط وشمال المملكة، في تصور يضع مدينة طانطان في موقع متقدم كمركز محتمل للإنتاج، والمحمدية كحلقة استراتيجية للتخزين والتوزيع.

وتقترح الدراسة إنشاء أنبوب يمتد على مسافة تقارب 900 كيلومتر لربط طانطان بالمحمدية، مع الاستفادة من النقل البحري الساحلي لربط الأخيرة بكل من الجرف الأصفر وطنجة المتوسط، بما يسمح بتكوين شبكة متكاملة تجمع بين الإنتاج والنقل والتخزين والاستهلاك الصناعي والتصدير.

ويعكس هذا السيناريو اتجاها متزايدا نحو التفكير في البنية التحتية التي يحتاجها المغرب لتطوير سلسلة متكاملة للهيدروجين الأخضر، خصوصا في ظل الإمكانات التي توفرها المملكة في مجال الطاقات المتجددة، وامتلاكها مواقع استراتيجية قريبة من الأسواق الأوروبية وشبكة من الموانئ والمناطق الصناعية الكبرى.

ويمنح التصور المقترح طانطان دورا محوريا في بداية سلسلة الإنتاج، مستفيدا من توفر موارد شمسية وريحية يمكن أن تساعد، وفق الفرضيات المعتمدة، على خفض كلفة إنتاج الهيدروجين في المنطقة. وبذلك، لا تظهر المدينة في النموذج باعتبارها مجرد نقطة انطلاق للأنبوب، بل كجزء من تصور أوسع يراد من خلاله تحويل جنوب المغرب إلى مجال قادر على احتضان مشاريع الطاقة الخضراء.

ويفترض السيناريو نقل الهيدروجين المنتج في طانطان باتجاه المحمدية عبر الأنبوب الرئيسي، قبل أن تتولى هذه الأخيرة مهمة استقبال الكميات وتخزينها وإعادة توجيهها نحو عدد من الوجهات ذات الأهمية الاقتصادية والصناعية.

وتكتسب المحمدية، في هذا التصور، أهمية خاصة بسبب إمكانية تطوير منشآت للتخزين في تجاويف ملحية قريبة منها، وهو عامل اعتبرته الدراسة من العناصر التي يمكن أن تعزز الجدوى الاقتصادية لمسار الأنبوب المقترح. فوجود بنية قادرة على تخزين الهيدروجين يمكن أن يمنح الشبكة مرونة أكبر في التعامل مع اختلاف الإنتاج والطلب، كما يسمح بتوفير كميات موجهة إلى الصناعة أو التصدير بحسب الحاجة.

ويفتح هذا السيناريو المجال أمام ربط المحمدية بالجرف الأصفر، باعتبار الأخير منطقة صناعية ومينائية ذات أهمية كبيرة، خصوصا بالنسبة إلى الصناعات التي يمكن أن تعتمد مستقبلا على الهيدروجين ومشتقاته، وعلى رأسها الأمونيا الخضراء والصلب الأخضر.

وفي الاتجاه الآخر، يمكن أن تصبح طنجة المتوسط إحدى أهم نقاط خروج الهيدروجين ومشتقاته نحو الأسواق الخارجية، مستفيدة من موقعها اللوجستي ومن ارتباطها بشبكات التجارة الدولية، وهو ما يجعل الربط بين الجنوب والوسط والشمال جزءا من تصور يتجاوز تلبية الطلب الداخلي نحو بناء قدرة تصديرية.

وتشير الحسابات الواردة في السيناريو إلى إمكانية ارتفاع حجم الهيدروجين المنقول عبر الخط الرئيسي بشكل تدريجي مع توسع الإنتاج والطلب. فقد قدر التدفق بحوالي 786 ألف طن سنويا في أفق 2030، قبل أن يرتفع إلى نحو 2.214 مليون طن في 2040، ثم يصل إلى أكثر من 4.279 ملايين طن سنويا بحلول 2050.

ويكشف هذا التطور المتوقع أن الأنبوب المقترح لا ينظر إليه باعتباره منشأة مخصصة للمرحلة الأولى من تطوير الهيدروجين الأخضر، وإنما كجزء من بنية تحتية طويلة الأمد يمكن أن تتوسع وظائفها بالتوازي مع ارتفاع الإنتاج وتطور الاستعمالات الصناعية.

وتظهر أهمية هذه المعطيات أيضا عند النظر إلى الكميات التي يمكن أن يعاد توزيعها انطلاقا من المحمدية. فبحلول سنة 2050، يمكن أن يصل التدفق الموجه نحو الجرف الأصفر إلى حوالي 1.438 مليون طن سنويا، بينما قد تبلغ الكميات المتجهة نحو طنجة المتوسط حوالي 2.842 مليون طن سنويا، وفق السيناريو الذي اعتمدته الدراسة.

وتبرز هذه الأرقام حجم الدور الذي يمكن أن تلعبه المحمدية في حال تحولت هذه الفرضيات إلى مشاريع فعلية، إذ ستصبح نقطة التقاء بين الإنتاج القادم من الجنوب ومراكز الاستهلاك الصناعي والموانئ التي يمكن أن تستقبل أو تصدر الهيدروجين ومشتقاته.

ولا تتوقف أهمية المشروع المقترح عند عملية النقل، إذ ترتبط جدواه الاقتصادية أيضا بإمكانية التخزين. فقد أظهرت الحسابات أن إنشاء الأنبوب باعتباره وسيلة نقل فقط قد لا يكون كافيا لتبرير حجم الاستثمار، بينما يؤدي دمجه مع منشآت التخزين إلى تحسين جاذبيته الاقتصادية داخل النموذج.

وتفترض الدراسة وجود تجاويف ملحية بالقرب من المحمدية، على مسافة تقارب 17 كيلومترا، يمكن أن تصل طاقتها التخزينية إلى نحو ثلاثة ملايين طن. وإذا أثبتت الدراسات الجيولوجية والهندسية اللاحقة قابلية هذه المنشآت للاستعمال، فإنها قد تشكل عنصرا مهما في تطوير شبكة وطنية للهيدروجين.

وتقدر الكلفة الاستثمارية للأنبوب الرئيسي المقترح بحوالي 1.35 مليار دولار، اعتمادا على تقدير يبلغ 1.5 مليون دولار لكل كيلومتر. غير أن هذا الرقم يمثل تكلفة الخط الرئيسي ضمن السيناريو المدروس، ولا يعني أن المغرب اتخذ قرارا استثماريا نهائيا لإنجاز المشروع.

وتصل الكلفة الإجمالية للممر الذي يجمع بين الأنبوب والنقل البحري الساحلي إلى مستويات أعلى بكثير، وهو ما يعكس ضخامة الاستثمارات التي يتطلبها بناء منظومة متكاملة للهيدروجين الأخضر، بدءا من الإنتاج ووصولا إلى التخزين والنقل والاستهلاك والتصدير.

وفي المقابل، أظهرت المقارنة بين السيناريوهات أن النموذج الهجين الذي يجمع بين النقل عبر الأنبوب والنقل البحري يمكن أن يوفر مزايا اقتصادية مقارنة بالاعتماد الكامل على الأنابيب أو النقل البحري، خصوصا عندما يؤخذ التخزين في الاعتبار.

وتشير المعطيات الاقتصادية إلى أن تكلفة إنتاج الأمونيا في السيناريو المقترح يمكن أن تبلغ حوالي 1176 دولارا للطن، مقابل 1186 دولارا في سيناريو يعتمد الأنابيب في جميع المسارات، بينما ترتفع إلى حوالي 1233 دولارا في سيناريو يعتمد بشكل كامل على النقل البحري الساحلي.

ويعني ذلك أن اختيار وسيلة النقل لا يرتبط فقط بالمسافة الجغرافية بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، بل يتداخل مع تكلفة البنية التحتية والتخزين وحجم الطلب وطبيعة الاستخدام النهائي للهيدروجين.

واختبر الباحثون كذلك الجانب الهندسي للمسار المقترح من خلال محاكاة رقمية لتدفق الهيدروجين داخل الأنبوب، بهدف معرفة مدى قدرة البنية المفترضة على استيعاب الكميات المتوقعة مستقبلا.

وأظهرت المحاكاة أن نقل الكميات المتوقعة في أفق 2050 عبر مسافة تقترب من 900 كيلومتر يمكن أن يؤدي إلى انخفاض في الضغط بنحو 8.5 بار، وهي نتيجة اعتبرت قابلة للتدبير في إطار الفرضيات الهندسية المستخدمة، مع استمرار وجود هامش تشغيلي عند نقطة الوصول إلى المحمدية.

ومع ذلك، تبقى هذه النتائج مرتبطة بمجموعة واسعة من المتغيرات التي يمكن أن تؤثر على الجدوى النهائية، من بينها تكلفة إنشاء الأنابيب، وتطور أسعار الطاقة، وحجم الإنتاج، ومستويات الطلب الصناعي، وتكلفة التخزين، فضلا عن شروط التراخيص وتوفير العقار وتحديد مسارات العبور.

كما يمكن أن تتغير أفضلية النقل عبر الأنابيب أو البحر إذا تغيرت المعطيات المرتبطة بإنتاج الطاقة المتجددة أو تكلفة تطوير منشآت التخزين أو تطورت تقنيات نقل الهيدروجين خلال السنوات المقبلة.

ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة لأن الهيدروجين الأخضر ما يزال قطاعا في طور التوسع عالميا، فيما تتنافس الدول على بناء سلاسل إنتاج ونقل وتصدير قادرة على الاستجابة للطلب المستقبلي، خصوصا في الصناعات التي يصعب إزالة الكربون منها بالاعتماد على الكهرباء وحدها.

ويضع التصور المقترح المغرب أمام فرصة لإعادة تنظيم العلاقة بين موارده المتجددة وموانئه ومراكزه الصناعية، إذ يمكن لمناطق الجنوب أن تؤدي دورا في الإنتاج، بينما تتولى مراكز الوسط والشمال وظائف التخزين والتحويل والتوزيع والتصدير.

ويظل أنبوب طانطان والمحمدية، في نهاية المطاف، تصورا بحثيا وليس مشروعا حكوميا دخل مرحلة التنفيذ، غير أن أهميته تكمن في تقديم رؤية لكيفية بناء شبكة وطنية للهيدروجين الأخضر تربط مناطق الإنتاج بالمراكز الصناعية والموانئ.

وقد يفتح هذا التصور الباب أمام دراسات أكثر تفصيلا حول الجدوى التقنية والاقتصادية للمسار، ومدى توفر شروط التخزين الملحي، وتكاليف العقار والعبور، وحجم الطلب المستقبلي، فضلا عن إمكانية دمج هذه الشبكة مع مشاريع أخرى للهيدروجين الأخضر يجري التخطيط لها في المغرب.

وبذلك، لا تختزل الفكرة في إنشاء أنبوب يمتد من مدينة إلى أخرى، وإنما تقدم تصورا لشبكة طاقة جديدة يمكن أن تربط جنوب المغرب بوسطه وشماله، وتمنح الهيدروجين الأخضر دورا متزايدا في الصناعة والنقل والتصدير، إذا ما أثبتت المشاريع المستقبلية قدرتها على تحقيق الجدوى الاقتصادية والتقنية المطلوبة.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية