هجر إمغري
أشعلت النفايات المتراكمة في عدد من شوارع مدينة الناظور موجة جديدة من الغضب وسط السكان، بعدما انتقلت حالة الاستياء من مجرد أحاديث متداولة في الأحياء إلى مشاهد ساخرة اختار مواطنون من خلالها التعبير عن احتجاجهم على واقع النظافة بالمدينة بطريقة غير مألوفة.
واختار عدد من أبناء الناظور التقاط صور بجانب أكوام من النفايات المتراكمة، في مشاهد حملت طابعا ساخرا وانتقاديا في الوقت نفسه، بعدما تعامل أصحابها مع الأزبال وكأنها أصبحت جزءا من المشهد اليومي الذي لا يمكن تجاهله. وتحولت هذه الصور إلى وسيلة للاحتجاج الرمزي، في محاولة للفت الانتباه إلى وضع يعتبره كثيرون غير مقبول داخل مدينة يفترض أن تحافظ على جاذبيتها ومظهرها العام.
وأبرزت هذه المبادرة الساخرة حجم الاحتقان الذي يمكن أن ينتج عن استمرار مشكل النظافة، خصوصا عندما تصبح النفايات ظاهرة متكررة في أماكن يفترض أن تكون خالية منها. فالمشكل لا يرتبط فقط بالشكل الخارجي للشوارع، وإنما يمتد إلى الروائح المنبعثة من بعض النقط، وإلى المخاوف المرتبطة بالبيئة والصحة العامة، فضلا عن الانعكاسات التي يمكن أن تتركها هذه الوضعية على الحياة اليومية للسكان.
وأعاد انتشار هذه المشاهد النقاش حول طريقة تدبير قطاع النظافة في المدينة، بعدما بدأ مواطنون يطرحون أسئلة متزايدة حول الجهات التي تتحمل مسؤولية الوضع القائم، وحول مدى نجاعة الآليات المعتمدة لجمع النفايات والتعامل معها. كما برزت تساؤلات أخرى مرتبطة بقدرة المؤسسات والهيئات المكلفة بهذا الملف على الاستجابة بالسرعة المطلوبة عندما تظهر اختلالات في عدد من الشوارع والمحاور.
وتزامن ذلك مع عودة مجموعة الجماعات بالناظور إلى دائرة النقاش، باعتبارها إحدى المؤسسات المرتبطة بتدبير عدد من الملفات ذات الطابع المشترك، وفي مقدمتها النظافة. وفتح الوضع الحالي الباب أمام نقاش أوسع بشأن مدى فعالية هذا الإطار المؤسساتي في معالجة المشاكل اليومية التي تواجه السكان، وما إذا كانت طريقة الاشتغال الحالية تحقق النتائج التي ينتظرها المواطنون على أرض الواقع.
وطرح مواطنون، في هذا السياق، سؤالا بسيطا لكنه يحمل أبعادا كبيرة: لماذا تستمر النفايات في التراكم في بعض المواقع رغم وجود مؤسسات وهياكل ووسائل يفترض أن تتكفل بقطاع النظافة؟ ويعكس هذا السؤال طبيعة الإشكال الذي لم يعد مرتبطا فقط بعملية جمع الأزبال، وإنما أصبح متصلا أيضا بطريقة التنسيق والتدبير والمراقبة وتحديد المسؤوليات.
وزادت الانتقادات الموجهة إلى جماعة الناظور من حدة النقاش، إذ يرى عدد من المتابعين أن الجماعة مطالبة بتوضيح طبيعة تدخلها في معالجة الوضع، خاصة أن النظافة تعد من أكثر الملفات التصاقا بالحياة اليومية للمواطن. فالمواطن لا يقيس نجاعة التدبير المحلي من خلال البرامج والتصريحات فقط، بل يلمسها في الشارع، وفي حالة الطرق والأحياء، وفي نظافة الفضاءات التي يستعملها بشكل مستمر.
وطالت الانتقادات كذلك رئيس مجموعة الجماعات بالناظور حليم فوطاط، حيث ظهرت دعوات محلية تطالبه بالاستقالة وتحمل المسؤولية السياسية والتدبيرية عن الوضع الذي يعرفه قطاع النظافة. وتبقى هذه الدعوات ضمن دائرة المواقف والانتقادات التي عبر عنها بعض المواطنين والفاعلين المحليين، غير أنها تكشف في المقابل عن ارتفاع منسوب المطالبة بالمساءلة وربط المسؤولية بالنتائج المحققة على الأرض.
وأصبح ملف النظافة، بالتالي، يتجاوز مسألة جمع النفايات والتخلص منها، ليتحول إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة المؤسسات المحلية على الاستجابة للمشاكل اليومية. فكل كومة نفايات تظهر في شارع أو حي يمكن أن تتحول إلى مادة للاحتجاج، وكل تأخر في معالجة الوضع قد يوسع دائرة الغضب، خصوصا في ظل سرعة انتشار الصور والمقاطع عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وأعاد اقتراب موعد الانتخابات التشريعية كذلك ترتيب الأسئلة المطروحة حول أداء المنتخبين، خصوصا أولئك الذين سبق أن تحملوا مسؤوليات داخل المؤسسات المحلية ويطمحون إلى الانتقال إلى مستوى التمثيل البرلماني. ويعتبر منتقدون أن المرحلة الانتخابية تشكل مناسبة طبيعية لمراجعة الحصيلة ومقارنة الوعود بالنتائج، بعيدا عن الخطاب الانتخابي الذي يركز عادة على المستقبل ويتجنب أحيانا تقييم ما تحقق خلال فترات تحمل المسؤولية.
ويفرض هذا الوضع على الفاعلين السياسيين والمحليين التعامل مع ملف النظافة باعتباره قضية تتعلق بثقة المواطن في المؤسسات، وليس مجرد موضوع ظرفي يظهر عند تراكم النفايات ثم يختفي بعد تدخلات مؤقتة. فالمطلوب، وفق منطق التدبير العمومي، لا يقتصر على إزالة الأزبال بعد ارتفاع الاحتجاجات، وإنما يرتبط بوضع منظومة قادرة على منع تكرار المشكلة وضمان استمرارية الخدمة وجودتها.
ويكشف النقاش المتصاعد أيضا عن تغير واضح في طريقة تعبير المواطنين عن غضبهم، إذ لم تعد الاحتجاجات دائما تأخذ شكلا مباشرا، بل أصبحت السخرية والصورة وسيلة لإيصال الرسائل السياسية والاجتماعية. وتحولت عبارة التضامن مع الأزبال إلى تعبير ساخر عن واقع يشعر بعض السكان بأنه لم يعد يحتمل الصمت، خصوصا عندما تصبح النفايات حاضرة في المشهد الحضري بشكل يثير الانتباه.
وتحمل هذه الرسائل، رغم طابعها الساخر، مؤشرات على عمق الإشكال الذي تواجهه المدينة في مجال النظافة. فحين يختار المواطن أن يوثق صورة بجانب كومة من الأزبال بدل الاكتفاء بانتقادها، فإنه يحاول تحويل المشكلة المحلية إلى قضية رأي عام، مستفيدا من قوة الصورة وقدرتها على الانتشار والوصول إلى عدد كبير من المتابعين خلال وقت قصير.
وتتطلب معالجة هذا الوضع، في المقابل، الانتقال من ردود الفعل المؤقتة إلى تشخيص واضح لأسباب الاختلال، سواء تعلق الأمر بجمع النفايات أو بوسائل النقل أو بتوزيع الحاويات أو بالمراقبة أو بالتنسيق بين مختلف المتدخلين. كما تحتاج المدينة إلى تقييم مستمر لجودة الخدمات المقدمة، حتى لا يتحول ملف النظافة إلى أزمة متكررة لا يتم التعامل معها إلا بعد تصاعد الغضب الشعبي.
ويظل الرهان الأكبر مرتبطا بإعادة بناء الثقة بين السكان والمؤسسات، لأن المواطن يريد قبل كل شيء أن يرى أثرا ملموسا للتدبير في حياته اليومية. وعندما تختفي النفايات من الشوارع وتتحسن الخدمات وتصبح الاستجابة للشكايات أكثر سرعة، فإن ذلك ينعكس مباشرة على صورة المدينة وعلى شعور السكان بجدوى المؤسسات المنتخبة.
وبينما تستمر صور الناظوريين وهم يتعاملون مع أكوام الأزبال بمنطق ساخر في الانتشار، يظل السؤال مفتوحا حول الخطوة المقبلة للجهات المعنية، وما إذا كان الوضع الحالي سيدفع إلى اتخاذ إجراءات عملية ومستدامة لمعالجة أزمة النظافة. وفي انتظار ذلك، تحولت الأزبال من مجرد مخلفات منتشرة في بعض الشوارع إلى عنوان لنقاش سياسي ومحلي أوسع حول المسؤولية والمحاسبة وجودة التدبير.








التعليقات
0 تعليق