منال الهداوي
تواجه فرنسا تداعيات موجة من أعمال العنف والتخريب التي اجتاحت عددا من مدنها، عقب احتجاجات شعبية واسعة خرج خلالها مئات الآلاف للتعبير عن غضبهم من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. وتحولت تحركات اجتماعية انطلقت بمطالب اقتصادية إلى مواجهات وفوضى طالت متاجر ومؤسسات عمومية وممتلكات خاصة، في تطور أعاد ملف الاحتقان الاجتماعي إلى واجهة النقاش السياسي، قبل نحو ستة أشهر من موعد الانتخابات الرئاسية المرتقبة.
وكشفت الحصيلة الأولية للأحداث عن توقيف أكثر من 1800 شخص خلال الاحتجاجات التي شهدتها البلاد يوم السبت، في وقت باشرت فيه السلطات تحقيقات لتحديد المسؤوليات وملاحقة المتورطين في أعمال النهب والحرق والتخريب. وتؤشر هذه الأرقام على حجم التحديات الأمنية التي تواجهها الحكومة، خصوصا في ظل اتساع رقعة الاضطرابات وتضرر عدد من المناطق الحضرية، وسط مخاوف من استمرار التوتر خلال الأيام المقبلة.
وفي خضم هذه التطورات، تعهدت السلطات الفرنسية بالتعامل بحزم مع أعمال الشغب، مؤكدة ضرورة تقديم المتورطين في الاعتداءات إلى القضاء. كما شدد الرئيس إيمانويل ماكرون على ملاحقة الأشخاص الذين ثبت تورطهم في تخريب الممتلكات أو الاعتداء على المؤسسات والشركات أو المشاركة في عمليات النهب، في موقف يعكس رغبة السلطات في احتواء التداعيات الأمنية ومنع اتساع دائرة الفوضى.
وامتدت الأضرار إلى مناطق مختلفة من البلاد، حيث شهدت العاصمة باريس ومدن كبرى أخرى عمليات تخريب استهدفت واجهات المحلات التجارية وممتلكات عامة وخاصة. وغطت الأنقاض وبقايا الدراجات النارية المحترقة أجزاء من بعض الشوارع، بينما تحدثت السلطات المحلية عن تعرض مقاطع حضرية لأضرار واسعة ومنظمة، الأمر الذي يطرح تساؤلات بشأن حجم الخسائر المالية التي ستترتب عن هذه الأحداث والمدة اللازمة لإصلاح ما تضرر من منشآت ومرافق.
وسجلت تقارير ميدانية تنفيذ مجموعات صغيرة عمليات نهب اتسمت بالتنسيق، إذ عمد بعض المشاركين إلى إخفاء هوياتهم باستعمال الأقنعة والقفازات، قبل تعطيل كاميرات المراقبة وتحطيم الواجهات الزجاجية واقتحام المتاجر. ولم تقتصر أعمال التخريب على الأنشطة التجارية، بل شملت أيضا مباني إدارية في مدن مثل مرسيليا وليل وبوردو، بينما تسبب حريق في إلحاق أضرار كبيرة بجزء من مبنى البلدية بمدينة ليموج، وهو مبنى تاريخي يعود إلى القرن التاسع عشر.
إقرأ أيضا :احتجاجات-تلاميذ-فرنسا
وتكشف هذه الوقائع عن اتساع الفجوة بين المطالب الاجتماعية التي دفعت المواطنين إلى النزول إلى الشوارع، والممارسات العنيفة التي رافقت بعض التجمعات. فبينما خرج المحتجون للتعبير عن استيائهم من غلاء المعيشة وارتفاع الإيجارات وضعف الأجور مقارنة بالنفقات اليومية، وجدت السلطات نفسها أمام وضع أمني معقد يتطلب التمييز بين الحق في الاحتجاج السلمي والمسؤولية القانونية عن الاعتداء على الممتلكات والأشخاص.
وبحسب تقديرات وزارة الداخلية الفرنسية، بلغ عدد المشاركين في الاحتجاجات نحو 550 ألف شخص، بينما رفع المنظمون العدد إلى قرابة 800 ألف مشارك. ويعكس هذا الفارق اختلاف التقديرات بين الجهات الرسمية والمنظمة، لكنه يؤكد في الحالتين اتساع التعبئة الشعبية حول القضايا المرتبطة بالقدرة الشرائية والظروف الاجتماعية. وقد عبر عدد من المشاركين عن شعورهم بأن العمل لم يعد يضمن مستوى معيشيا مستقرا، في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف السكن والاحتياجات الأساسية.
وفي المقابل، أسفرت المواجهات عن إصابة عدد من المتظاهرين، بينهم أشخاص تعرضوا لجروح خطيرة. وسجلت مدينة سانت إتيان واقعة بالغة الخطورة، بعدما فقد شاب يبلغ 17 عاما إحدى يديه، وفق المعطيات الواردة بشأن الأحداث، إثر إصابته بقنبلة ألقتها الشرطة. وأعادت هذه الحوادث تسليط الضوء على المخاطر التي تحيط بالتجمعات التي تشهد مواجهات مباشرة، وعلى ضرورة الحد من الإصابات وحماية المشاركين وعناصر الأمن والمارة.
وعلى المستوى السياسي، أثارت الاحتجاجات انقساما بين القوى الحزبية الفرنسية، مع اختلاف المواقف بشأن أسباب الغضب الشعبي وطريقة التعامل مع أعمال العنف. وشارك جان لوك ميلانشون، زعيم حزب فرنسا الأبية، في إحدى التظاهرات بالعاصمة باريس، داعيا إلى الابتعاد عن التخريب والعنف. وفي المقابل، أعلنت مارين لوبن، زعيمة التجمع الوطني اليميني المتطرف، دعمها للشرطة، وانتقدت موقف اليسار الذي اعتبرت أنه يساهم في تبرير العنف.
وتأتي هذه المواجهة السياسية في مرحلة حساسة تسبق الانتخابات الرئاسية بنحو ستة أشهر، حيث تتزايد أهمية الملفات الاجتماعية والاقتصادية في النقاش العام. وقد يضع استمرار الاضطرابات الحكومة أمام اختبار مزدوج، يتمثل في ضمان الأمن وحماية الممتلكات من جهة، والتعامل مع أسباب الاحتقان المرتبطة بغلاء المعيشة والضغوط المالية التي تواجهها الأسر من جهة أخرى.
ومن جانبها، حذرت الحكومة من التداعيات المالية الكبيرة التي قد تخلفها أعمال التخريب، في وقت تتوقع فيه الهيئات المهنية المتخصصة في التجارة والتوزيع خسائر اقتصادية واسعة. ولا تقتصر هذه الخسائر على تكاليف إصلاح المباني والمحلات المتضررة، بل قد تمتد إلى توقف الأنشطة التجارية مؤقتا، وتراجع حركة الزبائن، وارتفاع النفقات المرتبطة بالحماية والتأمين وإعادة تأهيل الممتلكات.
وتبقى قدرة فرنسا على تجاوز هذه الأزمة مرتبطة بمدى نجاح السلطات في احتواء العنف، بالتوازي مع التعامل مع المطالب الاجتماعية التي شكلت خلفية الاحتجاجات. فالتحدي لا يتعلق فقط بإعادة الهدوء إلى الشوارع، وإنما يمتد إلى استعادة الثقة بين المواطنين والمؤسسات، والبحث عن حلول تخفف الضغط على الأسر وتحافظ على استقرار الأنشطة الاقتصادية. ومع اقتراب الاستحقاق الرئاسي، ستظل تداعيات هذه الاحتجاجات حاضرة في النقاش السياسي، خصوصا إذا استمرت المخاوف المرتبطة بالقدرة الشرائية وتكاليف الحياة.








التعليقات
0 تعليق