إعلان
980×90
مساحة إعلانية
سياسة

المغرب يدعو إلى حماية الممرات البحرية وسط تصاعد التوترات

15:08 · 18/10/2026

منال الهداوي

تتزايد أهمية حماية الممرات البحرية في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، حيث لم تعد المضايق الاستراتيجية مجرد مسالك لعبور السفن ونقل البضائع والطاقة، بل أصبحت جزءا من معادلة الأمن الدولي والتوازنات الجيوسياسية. وفي هذا السياق، يبرز الموقف المغربي الداعي إلى تحييد هذه الممرات عن الصراعات السياسية والعسكرية، وضمان استمرار حركة الملاحة في ظروف آمنة ومستقرة، بما يحفظ مصالح الدول ويحد من التداعيات الاقتصادية والإنسانية للأزمات الإقليمية.

وخلال مشاركته في الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي المنعقدة في بغداد، جدد المغرب تأكيده على أن معالجة الأزمات لا ينبغي أن تقوم على التصعيد أو توسيع دائرة المواجهة، وإنما على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، والاحتكام إلى الحوار والوسائل السلمية. ويعكس هذا التوجه رؤية تقوم على ضرورة الفصل بين الخلافات السياسية المشروعة وبين استخدام الممرات الحيوية وسيلة للضغط أو التأثير في مواقف الدول الأخرى.

وفي هذا الإطار، شدد الوفد المغربي على رفض الاعتداءات التي تستهدف الدول الأعضاء في المنظمة، معتبرا أن احترام السيادة الوطنية وسلامة الأراضي يمثلان أساسا لا غنى عنه لاستقرار العلاقات الدولية. كما أكد تضامن المملكة مع الدول التي تعرضت لانتهاكات تمس أمنها واستقرارها، مع التشديد على رفض الاعتداءات التي تستهدف المملكة العربية السعودية، ولا سيما الأماكن المقدسة والبنيات الأساسية، لما يمكن أن يترتب عنها من تداعيات تتجاوز حدود الدولة المستهدفة.

وتكتسب هذه المواقف أهمية إضافية بالنظر إلى الاضطرابات التي تعرفها حركة الملاحة في عدد من الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيقا هرمز وباب المندب. فالمضيقان يشكلان نقطتين استراتيجيتين في حركة التجارة الدولية وإمدادات الطاقة، وأي اضطراب واسع فيهما يمكن أن ينعكس على تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، فضلا عن تأخير وصول السلع والمواد الأساسية إلى الأسواق العالمية.

إقرأ أيضا : البحرية-المغربية-والفرنسية-تعززان

ومن هذا المنطلق، فإن استمرار التوترات في هذه المناطق لا يمثل مشكلة أمنية محلية فحسب، بل يطرح تحديا اقتصاديا دوليا يرتبط باستقرار سلاسل الإمداد وقدرة الدول على تأمين احتياجاتها. فإغلاق ممر بحري أو تهديد السفن العابرة له قد يدفع شركات النقل إلى تغيير مساراتها، بما يزيد مدة الرحلات وكلفتها، ويؤثر في الأسواق التي تعتمد على التدفقات المنتظمة للنفط والغاز والمواد الأولية والمنتجات الاستهلاكية.

كما أن تزامن التوترات في أكثر من نقطة بحرية استراتيجية يرفع مستوى المخاطر، ويجعل تداعيات الأزمات أكثر تعقيدا. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مقاربة دولية تتجاوز ردود الفعل الآنية، وتعمل على وضع قواعد واضحة تمنع تحول الممرات البحرية إلى أدوات للضغط السياسي أو الاقتصادي. فحرية الملاحة لا ترتبط بمصالح الدول الكبرى وحدها، وإنما تشمل كذلك مصالح الاقتصادات النامية والدول المستوردة للطاقة والغذاء، التي قد تجد نفسها الأكثر تأثرا بارتفاع تكاليف النقل واضطراب الإمدادات.

وبناء على ذلك، دعا المغرب إلى إعداد مدونة سلوك للدول المطلة على المضايق والممرات البحرية الاستراتيجية، بهدف إرساء قواعد استباقية تساعد على الوقاية من النزاعات، وتعزز أمن الملاحة واستقرارها. وتطرح هذه المبادرة فكرة تنظيم التعاون بين الدول المعنية، بما يحد من احتمالات التصعيد ويشجع على تسوية الخلافات قبل تحولها إلى تهديد مباشر لحركة السفن والتجارة الدولية.

غير أن نجاح أي مدونة من هذا النوع سيظل مرتبطا بمدى وضوح التزامات الأطراف المعنية، واحترامها للقانون الدولي، ووجود آليات عملية للتنسيق وتبادل المعلومات ومعالجة الحوادث البحرية. كما يتطلب الأمر تعاونا دوليا واسعا يضمن عدم تحول المبادرات التنظيمية إلى التزامات شكلية، ويحول المبادئ المعلنة إلى إجراءات قابلة للتطبيق. ومن المهم أيضا أن تراعي أي صيغة مقترحة اختلاف المصالح والقدرات بين الدول، من دون المساس بحقوقها المشروعة أو تحويل التعاون البحري إلى وسيلة لفرض موازين قوة جديدة.

وفي موازاة هذا الملف، أعاد المغرب التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية في سياسته الخارجية، متمسكا بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، في إطار حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. ويعكس الجمع بين الدعوة إلى حماية الملاحة البحرية والدفاع عن الحقوق الفلسطينية توجها يربط الاستقرار الإقليمي باحترام القانون الدولي ومعالجة القضايا السياسية التي طال أمدها.

وفي هذا السياق، تتواصل الجهود المغربية المتعلقة بمدينة القدس، في إطار الدور الذي يضطلع به الملك محمد السادس بصفته رئيسا للجنة القدس. وتشمل هذه الجهود العمل السياسي والدبلوماسي الرامي إلى صيانة الوضع القانوني والتاريخي للمدينة، إلى جانب المبادرات الميدانية التي تنفذها وكالة بيت مال القدس الشريف لدعم صمود السكان والحفاظ على الطابع الحضاري والروحي للمدينة. وتكتسب هذه الجهود أهمية خاصة في ظل حساسية ملف الأماكن المقدسة وارتباطه بحرية العبادة والاستقرار في المنطقة.

ومن جهة أخرى، يضع الوضع الإقليمي الراهن منظمة التعاون الإسلامي أمام مسؤولية تعزيز التنسيق بين أعضائها، خصوصا في ظل تعدد الأزمات السياسية والاقتصادية والإنسانية والأمنية. فالتحديات المشتركة تتطلب مواقف متقاربة وآليات تعاون فعالة، بعيدا عن الانقسامات التي قد تضعف قدرة الدول على مواجهة المخاطر العابرة للحدود. ويشمل ذلك التصدي لخطابات الكراهية والإسلاموفوبيا، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية، ودعم الحلول السلمية والمصالحة الوطنية.

ومع ذلك، فإن ترجمة هذه المبادئ إلى نتائج ملموسة تظل رهينة بمدى استعداد الدول لتحويل التوافق السياسي إلى خطوات عملية، سواء من خلال تسوية النزاعات أو تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني أو تطوير آليات الوساطة. فالدعوة إلى احترام السيادة لا تكتمل من دون الالتزام المتبادل بالقواعد الدولية، كما أن الحديث عن الاستقرار لا يحقق أهدافه إذا استمرت أسباب التوتر من دون معالجة.

وفي المحصلة، تعكس الدعوة المغربية إلى حماية الممرات البحرية إدراكا لأهمية الأمن البحري في منظومة الاستقرار الدولي، وللتداخل الوثيق بين السياسة والاقتصاد وأمن الطاقة والتجارة. ويظل التحدي الأساسي هو الانتقال من التحذير من مخاطر التصعيد إلى بناء ترتيبات تعاونية قادرة على حماية الملاحة وضمان استمراريتها. فالممرات البحرية ليست ملكا حصريا لدولة بعينها، ولا ينبغي أن تتحول إلى أدوات للمساومة، بل تمثل فضاءات حيوية تتقاطع فيها مصالح المجتمع الدولي، ويقتضي الحفاظ عليها الالتزام بالقانون والحوار وتغليب منطق التعاون على حساب المواجهة.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

يرجى الالتزام بأدب الحوار واحترام الآخرين.