هجر إمغري
أعاد تلوث مطرح القنيطرة إلى الواجهة واحدا من أكثر الملفات البيئية إثارة للجدل في المدينة، بعدما خرج عزيز رباح، الوزير السابق والرئيس الأسبق للمجلس الجماعي للقنيطرة، للحديث عن تصاعد الأدخنة من محيط مطرح النفايات، وما يرافق ذلك من روائح خانقة وانبعاثات تمتد إلى عدد من الأحياء والمناطق المجاورة.
ونشر رباح مقطع فيديو يوثق سحبا كثيفة من الدخان تتصاعد من محيط المطرح، مرفقا ذلك بتدوينة عبر فيها عن استيائه من استمرار الوضع، متسائلا عن المسؤولين بمختلف مواقعهم واختلاف توجهاتهم، ومعتبرا أن ما يجري لم يعد مجرد واقعة عابرة، بل أصبح امتدادا لمشكل بيئي وصحي يثير مخاوف السكان.
وأوضح رباح أن عمليات إحراق عدد من المواد، من بينها النفايات والعجلات المطاطية، تتكرر بشكل مستمر، سواء خلال ساعات الليل أو النهار، مشيرا إلى أن الدخان الناتج عنها لا يبقى محصورا في محيط المطرح، وإنما يمتد إلى مناطق واسعة داخل المدينة وإلى دواوير قريبة منه.
وأضاف أن الروائح المنبعثة من عمليات الحرق أصبحت محسوسة من مسافات بعيدة، مشيرا إلى أن رائحة الحرق كانت واضحة منذ الساعات التي سبقت صلاة الفجر، واستمرت لفترة طويلة، وهو ما اعتبره مؤشرا على حجم المشكلة التي يعيشها محيط المطرح، خصوصا بالنسبة للسكان القريبين من هذه المنشأة.
وفي السياق نفسه، شدد رباح على أن شكاوى السكان بشأن الوضع ليست جديدة، وأن الحديث عن الانبعاثات والحرائق والممارسات المرتبطة بالمطرح يتكرر من فترة إلى أخرى، في وقت يظل فيه السؤال مطروحا حول مدى فعالية آليات المراقبة والزجر والتدخل للحد من هذه الظواهر.
وأشار إلى أنه سبق أن تواصل مع عدد من المسؤولين والمتدخلين في هذا الملف، في إطار ما وصفه بالتعاون والنصح والتنبيه، قبل أن يوسع دائرة النقاش إلى مسألة التدبير بشكل عام، معتبرا أن المسؤولية لا ترتبط فقط بالصفقات التي يتم إبرامها، وإنما تشمل مختلف جوانب إدارة المطرح ومراقبته وضمان احترام المعايير المرتبطة بالسلامة والبيئة.
وبالموازاة مع ذلك، ألمح رباح إلى إمكانية العودة مستقبلا إلى ملف الصفقات المرتبطة بتدبير المطرح، متحدثا عن جوانب تتعلق بالجودة والكلفة، وهو ما فتح الباب أمام نقاش أوسع يتجاوز مشهد الدخان الحالي نحو طريقة تدبير هذا المرفق والاختيارات التي اتخذت بشأنه خلال السنوات الماضية.
غير أن هذا الموقف لم يمر دون ردود فعل، إذ سرعان ما عاد النقاش إلى فترة تولي رباح مسؤولية تدبير مدينة القنيطرة، حيث طرحت تساؤلات حول ما إذا كانت الاختلالات البيئية المرتبطة بالمطرح قد ظهرت حديثا، أم أنها مشكلة قديمة تعاقبت عليها مجالس ومسؤولون ومؤسسات مختلفة.
وواجه مصطفى العبيدي، رئيس دائرة التنمية الفلاحية بسوق أربعاء الغرب التابعة للمكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي للغرب، موقف رباح بانتقادات وتساؤلات حول توقيت إثارة الملف، مذكرا بأن المشاكل المرتبطة بالمطرح ومحيطه كانت قائمة خلال السنوات التي تولى فيها رباح رئاسة المجلس الجماعي للقنيطرة.
وذهب العبيدي إلى طرح أسئلة بشأن طبيعة الأدخنة التي يشهدها المطرح حاليا، داعيا إلى التمييز بين مختلف أسبابها، سواء تعلق الأمر بإحراق العجلات المطاطية ومواد أخرى أو بالحرائق التي قال إنها اندلعت خلال الأيام الأخيرة، معتبرا أن فهم الأسباب يظل ضروريا قبل توجيه المسؤوليات.
كما أعاد النقاش إلى طريقة تدبير المطرح خلال الفترة السابقة، منتقدا اعتماد المجلس، خلال فترة رئاسة رباح، تفويضا للتدبير لمدة سنة لفائدة الشركات المتنافسة، واعتبر أن هذا الاختيار يدخل ضمن الأسباب التي ساهمت، بحسب تقديره، في استمرار عدد من الإشكالات المرتبطة بالمرفق.
ولم يقف الرد عند حدود التدبير الجماعي، بل امتد أيضا إلى المسؤوليات الحكومية التي سبق أن تحملها رباح، خاصة في المجال المرتبط بالتنمية المستدامة، إذ اعتبر منتقدوه أن استمرار مظاهر التلوث بالقرب من المطرح خلال تلك الفترة يطرح بدوره أسئلة حول الإجراءات التي كان يفترض اتخاذها لمعالجة الوضع والحد من آثاره.
وفي المقابل، تحول توقيت إثارة ملف تلوث مطرح القنيطرة إلى نقطة أساسية في الجدل، خصوصا أن النقاش يأتي في خضم الحملة الانتخابية، الأمر الذي دفع بعض المنتقدين إلى التساؤل عن دوافع طرح القضية في هذه المرحلة تحديدا، وعن سبب عدم اتخاذ المواقف نفسها تجاه وقائع سابقة عرفها المطرح خلال فترات مختلفة.
وتزايدت حدة النقاش مع استحضار حرائق سابقة عرفها المطرح، حيث تساءل منتقدون عن سبب عدم تسجيل مواقف مماثلة في أعقاب تلك الوقائع، معتبرين أن الملف البيئي لا ينبغي أن يتحول إلى قضية مرتبطة بالظرف السياسي أو الانتخابي، وإنما يجب التعامل معه باعتباره قضية مستمرة تمس صحة السكان وجودة الحياة في المدينة.
وأعادت التعليقات المتداولة بدورها استحضار مرحلة تدبير رباح للمجلس الجماعي، إذ تساءل عدد من المتفاعلين عن الإجراءات التي اتخذت آنذاك لمعالجة مظاهر التلوث، وعن مدى نجاح السياسات التي تم اعتمادها لمواجهة المشاكل المرتبطة بالمطرح والمناطق المحيطة به.
كما استحضر آخرون شكاوى قديمة مرتبطة بما وصفوه بالغبار الأسود والانبعاثات والروائح الناتجة عن بعض الأنشطة الصناعية ووحدات إنتاج الكهرباء، معتبرين أن سكان القنيطرة ظلوا لسنوات يواجهون مظاهر متعددة من التلوث، وبالتالي فإن اختزال المشكلة في المرحلة الحالية لا يعكس، في نظرهم، الصورة الكاملة للوضع البيئي الذي عرفته المدينة.
ويكشف هذا السجال أن ملف مطرح القنيطرة يتجاوز في أبعاده مشهد الدخان المتصاعد، ليطرح أسئلة أوسع حول المسؤولية المؤسساتية، وفعالية المراقبة، وطريقة تدبير النفايات، ومدى احترام الشروط البيئية، فضلا عن مسؤولية المجالس المتعاقبة والجهات الحكومية والإدارية التي تتقاطع اختصاصاتها في هذا المجال.
ويعيد الجدل أيضا إلى الواجهة مطلبا أساسيا يتعلق بضرورة إيجاد معالجة مستدامة لمشكل المطرح، بدل الاكتفاء بالتدخل بعد اندلاع الحرائق أو ارتفاع حدة الانبعاثات، خصوصا أن استمرار هذه الظواهر يضع صحة السكان والبيئة المحلية أمام مخاطر لا يمكن التعامل معها باعتبارها أحداثا ظرفية.
وبينما يفتح رباح ملف التلوث من جديد، يجد نفسه في الوقت ذاته أمام أسئلة مرتبطة بفترة تحمله مسؤولية تدبير المدينة، لتتحول القضية من مجرد نقاش حول دخان وحرائق إلى مواجهة سياسية وتدبيرية حول حصيلة سنوات كاملة، ومن يتحمل مسؤولية ما تحقق خلالها وما بقي عالقا إلى اليوم.
ويظل مستقبل مطرح القنيطرة مرتبطا بمدى قدرة مختلف المتدخلين على تجاوز منطق تبادل الاتهامات، والانتقال إلى تشخيص واضح لأسباب الحرائق والانبعاثات، وتحديد المسؤوليات، وضمان مراقبة فعالة للتدبير، بما يحمي سكان المدينة والمناطق المجاورة من تداعيات التلوث ويضع حدا لعودة الملف إلى الواجهة كلما تصاعدت أعمدة الدخان.







