سجل المغرب مستوى قياسيا جديدا في احتياطاته من العملة الصعبة، بعدما تجاوز الرصيد عتبة 500 مليار درهم، وفق أحدث المعطيات المتاحة، في تطور يعكس تحسنا ملحوظا في قدرة الاقتصاد الوطني على تأمين احتياجاته الخارجية وتعزيز هامش الأمان المالي في مواجهة التقلبات التي تعرفها الأسواق الدولية.
ويأتي هذا المستوى بعد ارتفاع الاحتياطات بأكثر من 21 في المائة على أساس سنوي، بما يسمح بتغطية أزيد من خمسة أشهر من واردات السلع والخدمات، وهو مؤشر يكتسي أهمية خاصة في قياس قدرة الاقتصاد على الوفاء بالتزاماته الخارجية والحفاظ على استقرار تمويل الواردات.
500 مليار درهم تعزز هامش الأمان الخارجي
يعكس تجاوز الاحتياطات عتبة 500 مليار درهم تطورا لافتا في وضعية الموجودات الخارجية للمملكة، خاصة أن احتياطي النقد الأجنبي يمثل أحد المؤشرات الرئيسية التي تعتمد عليها الاقتصادات لتقييم قدرتها على مواجهة الصدمات القادمة من الخارج.
أكثر من خمسة أشهر من تغطية الواردات
يسمح المستوى الحالي من الاحتياطات للمغرب بتغطية أكثر من خمسة أشهر من واردات السلع والخدمات، وهو ما يوفر هامشا مريحا نسبيا لتدبير حاجيات المملكة من الخارج، سواء تعلق الأمر بالطاقة أو المواد الأولية أو التجهيزات والمنتجات المستوردة.
وتزداد أهمية هذا المؤشر في ظل حالة عدم اليقين التي تعرفها الأسواق العالمية، سواء بسبب تقلب أسعار الطاقة والمواد الأساسية أو التوترات الجيوسياسية وتغير حركة التجارة الدولية.
الاستثمار الأجنبي يدعم رصيد العملة الصعبة
كان لتطور الاستثمارات الأجنبية المباشرة دور بارز في دعم الموجودات الخارجية للمملكة خلال الأشهر الماضية، بعدما بلغت قيمتها 29.4 مليار درهم خلال الفترة الممتدة من يناير إلى يوليوز 2026.
ارتفاع سنوي بنسبة 58.5 في المائة
سجلت هذه الاستثمارات زيادة سنوية بلغت 58.5 في المائة، وهو مستوى يوصف بالقياسي بالنسبة إلى الفترة نفسها، ما يعكس استمرار جاذبية الاقتصاد المغربي للاستثمارات الخارجية.
ويساهم دخول الرساميل الأجنبية في تعزيز رصيد النقد الأجنبي، إلى جانب الأثر المباشر الذي تحققه الاستثمارات الجديدة على مستوى خلق فرص الشغل وتوسيع القاعدة الإنتاجية وربط الاقتصاد الوطني بصورة أكبر بسلاسل القيمة الدولية.
الصادرات الصناعية تواصل تعزيز الموارد الخارجية
لم يقتصر تحسن رصيد العملة الصعبة على الاستثمارات الأجنبية، إذ ساهم أداء عدد من القطاعات الصناعية التصديرية بدورها في تقوية الموارد الخارجية للمملكة، خاصة قطاعي السيارات والطيران.
صادرات السيارات تتجاوز 107 مليارات درهم
بلغت صادرات قطاع السيارات 107.1 مليار درهم خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة، بزيادة سنوية قدرها 14.9 في المائة.
ويؤكد هذا الأداء المكانة التي بات يحتلها قطاع السيارات ضمن بنية الصادرات المغربية، بعد أن تحول خلال السنوات الماضية إلى أحد أهم مصادر العملة الصعبة وإلى ركيزة رئيسية في الصناعة الوطنية.
الطيران يحقق نموا يقارب 20 في المائة
سجل قطاع الطيران بدوره ارتفاعا مهما في صادراته بنسبة 19.7 في المائة، لتبلغ قيمتها 20.5 مليار درهم خلال الفترة نفسها.
ويعكس هذا التطور توسع حضور المغرب في الصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، خاصة في مجالات تصنيع مكونات الطائرات والأنظمة المرتبطة بصناعة الطيران، وهي قطاعات تعتمد بصورة كبيرة على التصدير نحو الأسواق العالمية.
السياحة تعزز تدفقات النقد الأجنبي
واصل القطاع السياحي بدوره لعب دور محوري في دعم الاحتياطات، مستفيدا من ارتفاع مداخيل السياحة خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة.
أكثر من 79 مليار درهم من العائدات
تجاوزت المداخيل السياحية 79 مليار درهم إلى نهاية شهر يوليوز، مسجلة زيادة سنوية قدرها 13.4 في المائة.
ويعني ارتفاع العائدات السياحية دخول كميات إضافية من العملات الأجنبية إلى الاقتصاد الوطني، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على ميزان المدفوعات واحتياطيات النقد الأجنبي.
ويأتي ذلك بالتوازي مع الدينامية التي يعرفها القطاع السياحي المغربي، سواء من حيث أعداد الوافدين أو توسع العرض الفندقي وتحسن الربط الجوي مع عدد من الأسواق الدولية.
تحويلات مغاربة العالم تحافظ على دورها الاستراتيجي
إلى جانب السياحة والاستثمارات والصادرات، حافظت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج على مكانتها ضمن أهم مصادر العملة الصعبة.
74.7 مليار درهم في سبعة أشهر
بلغت تحويلات مغاربة العالم نحو 74.7 مليار درهم خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة، مسجلة نموا تجاوز 8 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
ولا تقتصر أهمية هذه التحويلات على تعزيز الاحتياطي من النقد الأجنبي، بل تشكل كذلك موردا أساسيا بالنسبة إلى عدد كبير من الأسر المغربية، فضلا عن مساهمتها في الادخار والاستثمار والاستهلاك الداخلي.
وتشير المعطيات إلى أن تحويلات الجالية ساهمت بما يقارب 7.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال سنة 2025، ما يعكس الوزن الاقتصادي لهذه التدفقات.
توقعات باستمرار ارتفاع الاحتياطات
تشير التقديرات الحالية إلى أن الاتجاه التصاعدي لاحتياطات المغرب من العملة الصعبة قد يستمر خلال الفترة المقبلة، مستفيدا من استمرار عدد من مصادر التمويل الخارجي.
505 مليارات درهم مرتقبة بنهاية 2026
من المنتظر أن يبلغ رصيد الاحتياطات نحو 505 مليارات درهم مع نهاية السنة الجارية، في حال استمرار المنحى الحالي للتدفقات الخارجية.
وتشير التوقعات كذلك إلى إمكانية بلوغ الاحتياطات حوالي 542 مليار درهم في أفق سنة 2027، وهو ما سيمنح الاقتصاد الوطني هامشا إضافيا في التعامل مع الالتزامات الخارجية.
نحو ستة أشهر من الواردات في 2027
يتوقع أن ترتفع مدة تغطية الاحتياطات للواردات إلى حوالي خمسة أشهر و26 يوما خلال السنة الجارية، قبل أن تقترب من ستة أشهر وتسعة أيام في سنة 2027.
ويعد طول فترة تغطية الواردات أحد المؤشرات التي تنظر إليها المؤسسات المالية والأسواق عند تقييم الوضعية الخارجية لأي اقتصاد، لما يوفره من قدرة أكبر على امتصاص التقلبات والصدمات المفاجئة.
تعدد مصادر العملة الصعبة يقلص المخاطر
تكشف الأرقام الأخيرة أن ارتفاع احتياطات المغرب لا يرتبط بمصدر واحد، بل بمجموعة من التدفقات المتوازية تشمل الاستثمار الأجنبي والصادرات الصناعية والسياحة وتحويلات مغاربة العالم.
قاعدة أكثر تنوعا للموارد الخارجية
يساهم هذا التنوع في تقليص درجة الاعتماد على مصدر واحد من العملة الصعبة، ويوفر للاقتصاد الوطني قدرة أكبر على مواجهة تراجع أحد القطاعات في حال حدوث اضطرابات ظرفية.
كما أن نمو قطاعات صناعية تصديرية، بالتوازي مع السياحة وتحويلات الجالية، يمنح ميزان المدفوعات قاعدة أكثر تنوعا مقارنة بالاعتماد على موارد محدودة.
ويشكل تجاوز مستوى 500 مليار درهم محطة جديدة في تطور احتياطات المغرب من العملة الصعبة، بما يعكس تحسنا في مجموعة من المؤشرات المرتبطة بالتدفقات الخارجية. غير أن المحافظة على هذا المسار تظل مرتبطة باستمرار نمو الصادرات والاستثمار والسياحة وتحويلات مغاربة العالم، إلى جانب التحكم في فاتورة الواردات والحفاظ على التوازنات المالية والاقتصادية خلال المرحلة المقبلة.








