هجر إمغري
أعلنت الشميطي عن مبادرة فنية وإنسانية تستهدف المواهب الموسيقية الشابة، من خلال إتاحة استوديوها الخاص مجانا أمام الفنانين الطموحين الذين تحول محدودية الإمكانيات المادية أو غياب فضاءات العمل المناسبة دون تطوير مشاريعهم وتحويل أفكارهم إلى أعمال موسيقية قابلة للإنجاز، وذلك ابتداء من 20 سبتمبر الجاري.
وتأتي هذه الخطوة في سياق مختلف عن المبادرات الفنية التقليدية، بعدما اختارت الشميطي أن تجعل من فضائها الإبداعي منصة مفتوحة أمام أسماء شابة ما تزال تبحث عن فرصتها الأولى، واضعة الإمكانيات المتوفرة داخل الاستوديو رهن إشارة من يملكون الرغبة في الاشتغال وتطوير قدراتهم، لكنهم لا يتوفرون بالضرورة على الموارد التي تسمح لهم بولوج استوديوهات احترافية.
وتمنح المبادرة للمستفيدين فرصة الاستفادة من أوقات مخصصة للعمل داخل الاستوديو، بما يسمح لهم بتسجيل مشاريعهم وتجريب أفكار جديدة والاشتغال على أعمالهم في ظروف أكثر ملاءمة، بعيدا عن الضغط الذي قد تفرضه التكاليف المالية المرتبطة بالإنتاج الموسيقي، خصوصا بالنسبة إلى المواهب التي توجد في بداية مسارها الفني.
وتعكس هذه المبادرة وعيا بالتحديات التي ترافق البدايات في المجال الموسيقي، حيث لا ترتبط صعوبة الانطلاق دائما بغياب الموهبة، وإنما قد تكون مرتبطة كذلك بنقص الإمكانيات والموارد والفضاءات التي تساعد الفنان على تحويل موهبته إلى مشروع واضح المعالم. ومن هذا المنطلق، اختارت الشميطي أن تساهم في إزالة جزء من هذه العراقيل من خلال توفير فضاء مهني يمكن أن يشكل نقطة انطلاق بالنسبة إلى عدد من المواهب الصاعدة.
كما تفتح الخطوة المجال أمام الشباب لتجربة العمل في بيئة احترافية، وهو ما قد يساعدهم على اكتساب خبرة عملية في التعامل مع مراحل إعداد الأعمال الموسيقية، من بلورة الفكرة الأولى إلى تطويرها وصقل تفاصيلها. ويمنح هذا النوع من التجارب الفنان فرصة أكبر للتعرف إلى إمكانياته واكتشاف نقاط القوة التي يمكن البناء عليها في المراحل المقبلة من مسيرته.
واستعادت الشميطي، في تقديمها للمبادرة، علاقتها الخاصة بهذا الفضاء الذي لم يكن بالنسبة إليها مجرد استوديو للعمل، بل ارتبط بجزء من تجربتها الفنية وذكرياتها المهنية. فقد شكل المكان، وفق تصورها، مساحة احتضنت مراحل من رحلتها الإبداعية، الأمر الذي جعلها تنظر إليه باعتباره امتدادا لمسارها الفني ومكانا يحمل قيمة رمزية خاصة بالنسبة إليها.
وتزداد أهمية هذه المبادرة بالنظر إلى أن الاستوديو كان قد أنشئ في الأصل بشراكة مع الفنانة أميرة زهير، بهدف توفير فضاء يساعدهما على الاشتغال على أعمالهما الفنية والانطلاق في مشاريع موسيقية خاصة. غير أن المكان ينتقل اليوم من كونه فضاء خاصا بتجربة صاحبتين إلى مساحة يمكن أن يستفيد منها آخرون ممن يبحثون عن فرصة حقيقية لتطوير مواهبهم.
وتؤكد هذه الخطوة أن دعم الفنانين الشباب لا يقتصر بالضرورة على تقديم مساعدات مالية مباشرة، بل يمكن أن يتحقق أيضا من خلال تقاسم الإمكانيات والخبرات وفتح الفضاءات المهنية أمام أصحاب المشاريع الواعدة. فبالنسبة إلى فنان في بداية الطريق، قد يمثل الحصول على ساعات داخل استوديو مجهز فرصة فارقة تساعده على إخراج عمله من مرحلة الفكرة إلى مرحلة الإنتاج.
ومن جهة أخرى، يمكن لهذه المبادرة أن تمنح المواهب المستفيدة مساحة لاختبار أساليبها الموسيقية وبناء شخصيتها الفنية بعيدا عن الحسابات التجارية التي قد تفرض نفسها في مراحل مبكرة من المسار. فالهوية الفنية تحتاج إلى وقت وتجربة ومحاولات متعددة، كما تحتاج إلى بيئة تسمح للفنان بالخطأ والتجريب وإعادة صياغة أفكاره قبل الوصول إلى الشكل الذي يعبر عنه بصورة أفضل.
وتحمل المبادرة كذلك بعدا تشجيعيا، خصوصا بالنسبة إلى الشباب الذين يمتلكون مشاريع موسيقية أو أفكارا فنية لكنهم يترددون في خوض التجربة بسبب ارتفاع كلفة الإنتاج. إذ يمكن أن يشكل توفير الاستوديو مجانا حافزا لهم من أجل الاستمرار في العمل وعدم التخلي عن طموحاتهم بسبب عائق مادي قد يبدو في بعض الحالات أكبر من قدراتهم.
وتبرز أهمية هذه الخطوة أيضا في قدرتها على خلق نوع من التضامن داخل الوسط الفني، يقوم على نقل الفرص من فنان سبق له أن خاض تجربة البداية إلى فنانين آخرين ما زالوا في أول الطريق. فالمسار الفني، مهما بلغ صاحبه من نجاح، يبدأ غالبا من مساحة صغيرة وفكرة بسيطة ومحاولة أولى تحتاج إلى من يؤمن بها ويفتح أمامها الباب.
وبذلك يتحول استوديو الشميطي، ابتداء من 20 سبتمبر، إلى فضاء يحمل رهانا يتجاوز التسجيل الموسيقي بالمعنى الضيق، ليصبح فرصة أمام مواهب شابة من أجل العمل والتجريب واكتشاف الذات الفنية. كما تمنح المبادرة للمكان وظيفة جديدة تقوم على احتضان الأحلام الفنية ومساعدة أصحابها على الاقتراب خطوة إضافية من تحقيقها.
وتبقى القيمة الأبرز لهذه الخطوة مرتبطة بفكرة إتاحة الفرصة، وهي فكرة تكتسب أهمية خاصة في قطاع موسيقي يحتاج فيه الفنان الشاب إلى فضاء آمن ومهني حتى يتمكن من تطوير قدراته وإثبات نفسه. ومن خلال فتح أبواب الاستوديو أمام المواهب التي تفتقر إلى الإمكانيات، تقدم الشميطي نموذجا لدعم فني يقوم على تقاسم الموارد وإعطاء الشباب فرصة للتعبير عن أنفسهم.
وفي النهاية، قد لا تكون كل تجربة ستخرج من هذا الاستوديو مشروعا ناجحا منذ المحاولة الأولى، لكن مجرد توفير المكان والوقت والظروف المناسبة يمكن أن يكون بداية لمسارات فنية جديدة. وبينما يبحث عدد كبير من الشباب عن منفذ يمكنهم من تقديم أعمالهم وإسماع أصواتهم، تأتي هذه المبادرة لتقول إن بعض الأحلام لا تحتاج في بدايتها إلى الكثير، بقدر ما تحتاج إلى باب مفتوح ومساحة تمنح أصحابها فرصة للمحاولة.







