هجر إمغري
تفتح وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة صفحة جديدة في مسار دعم تدريس اللغتين العربية والأمازيغية وتعزيز حضور الثقافة المغربية خارج المملكة، من خلال إحداث مصلحة إدارية متخصصة تتولى مواكبة برامج التعليم الموجهة إلى المغاربة المقيمين بالخارج، إلى جانب دعم تدريس اللغتين وتاريخ وجغرافيا المغرب داخل المؤسسات التابعة للبعثات الأجنبية بالمملكة.
ويأتي هذا الإجراء في سياق إعادة ترتيب اختصاصات الإدارة المركزية للوزارة، بما يواكب التحولات التي يعرفها مجال التربية والتكوين، خصوصا على مستوى التعاون الدولي والشراكات التعليمية، حيث باتت قضايا اللغة والثقافة والهوية جزءا من البرامج التي تحظى باهتمام متزايد في العلاقات التربوية بين المغرب وعدد من الدول والمؤسسات التعليمية.
وأحدثت الوزارة، بموجب قرار تنظيمي جديد، مصلحة تحمل اسم “مصلحة دعم تدريس اللغتين العربية والأمازيغية وتاريخ وجغرافيا المغرب بالخارج وبالبعثات الأجنبية”، لتندرج ضمن قسم التعاون والشراكات، وهو ما يمنح هذا المجال إطارا إداريا محددا داخل هيكلة الوزارة، بدل أن يظل موزعا بين عدد من المصالح والجهات المتدخلة.
ويعكس إحداث هذه المصلحة توجها نحو تعزيز آليات مواكبة تعليم أبناء المغاربة المقيمين بالخارج، خاصة في ما يرتبط بالحفاظ على الصلة باللغة والثقافة المغربية، وتمكين الأجيال الجديدة من التعرف على مكونات هويتها الوطنية وتاريخ بلدها وجغرافيته، إلى جانب تطوير حضور اللغة الأمازيغية باعتبارها مكونا أساسيا من مكونات الثقافة والهوية المغربية.
كما يندرج هذا التنظيم ضمن تصور أوسع للتعاون التربوي الدولي، إذ لا تقتصر اختصاصات القسم المعني على دعم تدريس اللغتين العربية والأمازيغية، وإنما تمتد إلى تتبع البرامج المرتبطة بالثقافة المغربية وتاريخ وجغرافيا المملكة، سواء لفائدة أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج أو داخل المؤسسات التعليمية التابعة للبعثات الأجنبية الموجودة بالمغرب.
وتسعى المصلحة الجديدة، في هذا الإطار، إلى توفير مواكبة أكثر انتظاما للبرامج التعليمية ذات الصلة، بما يسمح بتتبع حاجيات المؤسسات المستفيدة وتطوير آليات التنسيق مع مختلف المتدخلين، فضلا عن دعم المبادرات التي من شأنها توسيع نطاق الاستفادة من تعليم اللغة والثقافة المغربية في البيئات التعليمية الدولية.
ويكتسي تدريس الأمازيغية للمغاربة بالخارج أهمية خاصة بالنظر إلى تنامي الحاجة إلى الحفاظ على الارتباط باللغات الوطنية لدى الأجيال التي ولدت أو نشأت خارج المغرب. فتعليم اللغة لا يرتبط فقط بالجانب الأكاديمي، وإنما يتيح أيضا للأبناء التواصل مع أسرهم ومحيطهم المغربي، والتعرف على جزء من تاريخهم الثقافي واللغوي، خصوصا في ظل تعدد البيئات الاجتماعية واللغوية التي يعيش فيها أفراد الجالية.
وفي السياق نفسه، يتيح إدراج تاريخ وجغرافيا المغرب ضمن البرامج الموجهة إلى المغاربة المقيمين بالخارج توسيع دائرة المعرفة بالبلد، وربط الأجيال الصاعدة بمختلف محطاته التاريخية ومجاله الجغرافي وتنوعه الثقافي، بما يعزز استمرارية العلاقة بين أفراد الجالية وبلدهم الأصلي عبر بوابة التعليم والمعرفة.
ويشمل اختصاص قسم التعاون والشراكات كذلك تتبع ومواكبة الاتفاقيات الدولية الثنائية والمتعددة الأطراف المرتبطة بمجال التربية والتكوين، إلى جانب إعداد هذه الاتفاقيات والتفاوض بشأنها وتتبع تنفيذها، وهو ما يضع المصلحة الجديدة ضمن منظومة أوسع للتعاون التربوي الدولي.
وتتولى البنية نفسها تدبير ملفات التبادل الدولي والمنح، ومواكبة عدد من البرامج ذات الطابع الدولي، فضلا عن الإسهام في دعم اندماج المتعلمين الأجانب بالمغرب، بتنسيق مع القطاعات والجهات المعنية. ويعكس ذلك اتساع مجال التعاون التربوي ليشمل، إلى جانب المغاربة المقيمين بالخارج، المتعلمين الأجانب الموجودين داخل المملكة.
وفي جانب آخر، يركز التنظيم الجديد على تطوير الشراكات الوطنية والدولية في مجال التربية والتكوين، من خلال الارتقاء بالمبادرات المشتركة ودعم البنيات المركزية للوزارة في مجال الشراكات، بما يمكن من خلق مزيد من فرص التعاون وتبادل الخبرات والتجارب في الميدان التربوي.
كما تمتد هذه المواكبة إلى الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، عبر دعمها في الملفات المرتبطة بالشراكات والتعاون، بما يساهم في تحقيق قدر أكبر من التنسيق بين المستوى المركزي والمستوى الجهوي، وتسهيل تنزيل البرامج والمبادرات التي تدخل ضمن اختصاصات التعاون الدولي والتربوي.
ويمنح هذا التنظيم الجديد أيضا بعدا مؤسساتيا أكبر للبرامج التي تستهدف اللغة والثقافة المغربيتين في الخارج، من خلال وجود مصلحة محددة تتولى مواكبة هذا المجال وتتبع تطوره، وهو ما قد يساعد على تحسين التنسيق بين الوزارة وشركائها في البلدان التي يقيم بها المغاربة، وكذلك مع المؤسسات التابعة للبعثات الأجنبية داخل المغرب.
ويرتبط تعزيز تدريس الأمازيغية خارج المملكة، في جانب منه، بالحضور المتزايد للغة الأمازيغية في منظومة التربية الوطنية داخل المغرب، وبالمسار الذي عرفته عملية إدماجها في التعليم، الأمر الذي يجعل توسيع الاستفادة منها لفائدة المغاربة المقيمين بالخارج امتدادا للجهود الرامية إلى تعزيز مكانتها في المجال التعليمي والثقافي.
ويأتي هذا التطور في وقت أصبح فيه موضوع تعليم أبناء الجالية المغربية يحظى بأهمية متزايدة، بالنظر إلى اختلاف السياقات التعليمية والاجتماعية التي يعيشون فيها، والحاجة إلى برامج تراعي خصوصياتهم وتساعدهم على اكتساب اللغة والثقافة المغربيتين إلى جانب تعليمهم الأساسي داخل بلدان الإقامة.
ويؤسس إحداث المصلحة الجديدة، في نهاية المطاف، لإطار إداري أكثر تخصصا لمتابعة هذا النوع من البرامج، ويجمع بين دعم اللغتين العربية والأمازيغية، وتعزيز تدريس تاريخ وجغرافيا المغرب، وتطوير الشراكات الدولية في المجال التربوي. كما يعكس توجها نحو جعل التعاون التعليمي وسيلة للحفاظ على الصلة بالثقافة المغربية وتوسيع حضورها في المؤسسات التعليمية داخل المملكة وخارجها.
ومن شأن هذا الإطار أن يمنح برامج تعليم اللغة والثقافة المغربية للمغاربة المقيمين بالخارج مزيدا من التنظيم والمواكبة، خاصة مع استمرار ارتباط أعداد كبيرة من الأسر المغربية بمسألة نقل اللغة والثقافة إلى الأجيال الجديدة. وبذلك، يتحول التعليم إلى إحدى الأدوات التي يمكن من خلالها الحفاظ على هذا الارتباط وتعزيز المعرفة بالمغرب ومكوناته اللغوية والثقافية والتاريخية.







