كوثر بوجوال
أمر الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بفاس بتمديد الحراسة النظرية لـ12 شخصاً يعملون أو سبق لهم العمل في مؤسسة للرعاية الاجتماعية، في إطار تحقيقات تتعلق بشبهات ثقيلة تشمل الاتجار بالبشر وتحريض قاصرين على الدعارة وارتكاب سرقات.
وجاء قرار التمديد بهدف تعميق البحث الذي تباشره الفرقة الجهوية للشرطة القضائية بولاية أمن فاس، واستكمال الاستماع إلى المشتبه فيهم ومواجهة المعطيات والتصريحات التي جُمعت خلال الأسابيع الماضية، قبل إحالة الملف على النيابة العامة المختصة لاتخاذ القرارات القانونية المناسبة.
وقررت النيابة العامة، لضرورة البحث، عرض عدد من نزلاء المؤسسة المعنية على خبرات وفحوص طبية بمستشفى الغساني، في إجراء يهدف إلى توثيق المعطيات الصحية المحتملة ودعم التحقيق بنتائج طبية يمكن الاستناد إليها عند تقييم الوقائع موضوع الشبهات.
وتشمل الإجراءات القضائية والأبحاث الجارية 18 شخصاً، يوجد 12 منهم تحت تدبير الحراسة النظرية، بينما يرتقب تقديم ستة آخرين في حالة سراح على ذمة القضية نفسها.
ويظل جميع المعنيين متمتعين بقرينة البراءة في هذه المرحلة، ما دامت الأبحاث لا تزال جارية ولم يصدر في حقهم حكم قضائي نهائي، في وقت تفرض فيه طبيعة القضية حماية هوية القاصرين وخصوصيتهم وتجنب نشر أي تفاصيل قد تسمح بالتعرف عليهم.
تمديد الحراسة لتعميق البحث
اتخذ الوكيل العام للملك قرار تمديد الحراسة النظرية بالنظر إلى تعدد الأشخاص المشمولين بالبحث وخطورة الأفعال المشتبه فيها، فضلاً عن الحاجة إلى استكمال الإجراءات التقنية والطبية والاستماع إلى مختلف الأطراف.
ويتيح التمديد للمحققين وقتاً إضافياً للتحقق من الأقوال ومقارنتها بالمعطيات المتوفرة، ورصد أوجه الاتفاق أو التناقض بين إفادات المشتبه فيهم والشهادات والعناصر التي جرى تحصيلها.
كما يسمح الإجراء بإجراء مواجهات عند الاقتضاء، والبحث في طبيعة المسؤوليات داخل المؤسسة، وتحديد ما إذا كانت الوقائع المبلغ عنها أفعالاً فردية أم أنها ارتبطت باختلالات أوسع في الإشراف والتدبير والمراقبة.
وتكتسي هذه المرحلة أهمية حاسمة، لأن الملف يضم عدداً كبيراً من الأشخاص الذين تولوا مهام مختلفة، وهو ما يفرض على المحققين تحديد دور كل واحد منهم بصورة منفصلة، وعدم تعميم الشبهات على جميع العاملين أو الأطر المرتبطين بالمؤسسة.
فحوص طبية لعدد من النزلاء
بالتوازي مع تمديد الحراسة النظرية، تقرر عرض عدد من نزلاء دار الرعاية على الخبرة الطبية بمستشفى الغساني في فاس.
ويشكل الفحص الطبي إجراءً أساسياً في القضايا التي يكون فيها قاصرون ضحايا محتملين، لأنه يتيح للأطباء توثيق حالتهم الصحية وإعداد تقارير مهنية توضع رهن إشارة جهات التحقيق والقضاء.
ولا تعني الخبرة الطبية، في حد ذاتها، تأكيد جميع الشبهات موضوع البحث، لكنها توفر عنصراً علمياً يساعد على التحقق من الوقائع وتحديد ما إذا كانت توجد مؤشرات صحية تحتاج إلى متابعة أو حماية إضافية.
كما تفرض هذه الإجراءات احترام السرية الطبية وعدم تداول نتائج الفحوص خارج المسار القضائي، حماية للقاصرين من أي تشهير أو وصم اجتماعي يمكن أن يضاعف الضرر النفسي الذي قد يكونون تعرضوا له.
تحقيقات انطلقت قبل أسابيع
باشرت الفرقة الجهوية للشرطة القضائية بولاية أمن فاس، منذ أسابيع، أبحاثاً وتحقيقات مكثفة بشأن شبهات مرتبطة بالاتجار بالبشر وتحريض قاصرين على الدعارة والسرقة داخل مؤسسة للرعاية الاجتماعية بمقاطعة سايس.
وبعد تجميع المعطيات الأولية والاستماع إلى عدد من الأطراف، أحالت الفرقة القضائية خلاصات أبحاثها على النيابة العامة، التي قررت وضع الأشخاص الـ12 تحت الحراسة النظرية لاستكمال البحث معهم.
ويكشف انتقال الملف من مرحلة التحريات الأولية إلى اتخاذ تدابير الحراسة النظرية وعرض نزلاء على الخبرة الطبية أن التحقيق دخل مرحلة أكثر تقدماً، لكنه لم يصل بعد إلى الحسم القضائي أو تحديد المسؤوليات النهائية.
وتظل النيابة العامة صاحبة القرار في تحديد المسار الذي ستأخذه القضية بعد انتهاء البحث، سواء من خلال المتابعة في حالة اعتقال أو سراح، أو اتخاذ أي إجراء آخر وفق النتائج التي ستتوصل إليها الشرطة القضائية.
مسؤوليات متعددة داخل المؤسسة
تشمل لائحة الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية مربية وحارسة عامة تعملان حالياً بالمؤسسة، ومديرين سابقين، ومسؤولة سابقة عن المستودع، وثلاث مؤطرات، ومربيتين، وحارسين للأمن الخاص، إلى جانب الرئيس الحالي للجمعية.
ويظهر تنوع المهام أن البحث لا يقتصر على فئة مهنية واحدة، بل يشمل مستويات مختلفة من الإدارة والتأطير والحراسة والتدبير، ما يجعل تحديد المسؤوليات الفردية جزءاً أساسياً من التحقيق.
فوجود الشخص داخل المؤسسة أو شغله مهمة إدارية لا يكفي وحده لإثبات علاقته بالأفعال المشتبه فيها، لذلك يتعين ربط كل مشتبه فيه بأفعال أو معلومات محددة، وفق الأدلة والإفادات التي يجري التحقق منها.
كما سيبحث المحققون على الأرجح في طبيعة أنظمة المراقبة داخل المؤسسة، وطريقة تدبير خروج النزلاء ودخولهم، والمسؤوليات المرتبطة بالإشراف اليومي، ومدى وجود شكايات أو إشارات سابقة كان ينبغي التعامل معها.
ستة أشخاص ينتظر تقديمهم في حالة سراح
يرتقب تقديم ستة أشخاص آخرين في حالة سراح في إطار الملف نفسه، ويتعلق الأمر بصاحبة محل للخياطة، ومديرة سابقة للمؤسسة، ورئيسة سابقة للجمعية، وموظف بالتعاون الوطني، ومؤطرة، ومساعدة اجتماعية.
ويعني تقديم هؤلاء في حالة سراح أنهم مشمولون بإجراءات البحث، من دون وضعهم تحت الحراسة النظرية، إلى حين تقييم النيابة العامة للمعطيات المرتبطة بكل واحد منهم.
ويرتفع بذلك عدد الأشخاص الذين تشملهم الأبحاث والإجراءات المنتظرة إلى 18، مع اختلاف مراكزهم القانونية وطبيعة علاقتهم بالمؤسسة والوقائع التي يجري التحقيق بشأنها.
ولا ينبغي الخلط بين الاشتباه والمتابعة القضائية والإدانة، لأن كل مرحلة لها شروطها القانونية، كما يظل للقضاء وحده الاختصاص في البت في المسؤوليات وترتيب الجزاءات بناءً على الأدلة.
حماية القاصرين في صلب القضية
تتجاوز خطورة الملف طبيعة التهم المشتبه فيها إلى كون الضحايا المحتملين قاصرين كانوا يقيمون داخل مؤسسة يفترض أن توفر لهم الرعاية والحماية والتأطير.
وتقوم مؤسسات الرعاية الاجتماعية على علاقة ثقة ومسؤولية، لأن النزلاء قد يكونون في وضعية هشاشة تجعلهم أكثر حاجة إلى المتابعة النفسية والاجتماعية، وأقل قدرة على التبليغ عن التجاوزات أو الدفاع عن أنفسهم.
ومن ثم، فإن أي شبهة استغلال داخل هذا النوع من المؤسسات تستوجب تحقيقاً دقيقاً وسريعاً، مع توفير مواكبة مستقلة للقاصرين، بعيداً عن الأشخاص الذين تشملهم الأبحاث.
كما تقتضي الحماية منع تداول أسمائهم أو صورهم أو تفاصيل مسارهم الشخصي، لأن كشف الهوية قد يعرضهم للوصم أو المضايقة ويؤثر في اندماجهم الاجتماعي والدراسي مستقبلاً.
المواكبة النفسية لا تقل أهمية عن التحقيق
لا ينبغي أن تتوقف الاستجابة عند الإجراءات الأمنية والقضائية، إذ يحتاج القاصرون المعنيون إلى مواكبة نفسية واجتماعية تساعدهم على التعبير عن الوقائع في بيئة آمنة، من دون ضغط أو توجيه.
كما يفترض ضمان استمرار تمدرسهم وإقامتهم في ظروف ملائمة، واتخاذ التدابير الضرورية لإبعادهم عن أي شخص قد يؤثر في شهاداتهم أو يشعرهم بالخوف.
ويكتسي الاستماع إلى الأطفال في هذا النوع من القضايا حساسية خاصة، لأن تكرار الأسئلة أو استخدام أساليب غير ملائمة قد يعيد إنتاج الصدمة. لذلك يجب أن تتم الإجراءات بمشاركة مختصين وفي إطار يحترم سنهم وحالتهم النفسية.
وتساعد المواكبة أيضاً على التمييز بين الوقائع المؤكدة والإشاعات أو الروايات المتداولة، بما يحمي الضحايا المحتملين من جهة، ويضمن سلامة التحقيق وحقوق المشتبه فيهم من جهة أخرى.
الملف يضع آليات المراقبة تحت الاختبار
تثير القضية أسئلة بشأن آليات مراقبة مؤسسات الرعاية الاجتماعية، ومدى انتظام الزيارات التفقدية، والطرق المتاحة للنزلاء من أجل تقديم الشكايات بعيداً عن إدارة المؤسسة.
فوجود لوائح داخلية أو تقارير إدارية لا يكفي إذا لم تتوفر قنوات آمنة ومستقلة تسمح للقاصر بالتبليغ عن أي إساءة أو استغلال محتمل.
كما أن المؤسسات التي تستقبل أطفالاً في وضعية هشاشة تحتاج إلى انتقاء دقيق للعاملين، وتكوين مستمر في حماية الطفولة، وتحديد واضح للمسؤوليات، إلى جانب تتبع مهني يمنع تحول فضاء الرعاية إلى بيئة مغلقة يصعب اكتشاف التجاوزات داخلها.
ويشمل النقاش أيضاً دور الجهات المشرفة على المؤسسة، وطبيعة المراقبة التي كانت تمارسها، ومدى توفرها على تقارير دورية بشأن ظروف إقامة النزلاء وتدبير الموارد البشرية.
انتظار نتائج البحث واحترام قرينة البراءة
يبقى الملف مفتوحاً على تطورات جديدة بعد انتهاء مدة الحراسة النظرية واستكمال نتائج الخبرات الطبية والإجراءات التي تباشرها الفرقة الجهوية للشرطة القضائية.
وستحدد النيابة العامة، بناءً على محاضر البحث والمعطيات المتوفرة، طبيعة القرارات التي ستتخذ في حق كل شخص، مع إمكانية اختلافها وفق درجة الاشتباه والأدلة المرتبطة به.
وفي انتظار ذلك، تظل قرينة البراءة واجبة الاحترام، كما يجب تجنب إصدار أحكام مسبقة أو نشر معلومات غير مؤكدة قد تمس بسمعة أشخاص لم تثبت مسؤوليتهم قضائياً.
وفي المقابل، ينبغي أن تبقى حماية القاصرين أولوية مطلقة، مع ضمان وصول التحقيق إلى الحقيقة كاملة، وترتيب المسؤوليات عند ثبوتها، ومراجعة أنظمة المراقبة داخل مؤسسات الرعاية حتى لا تتكرر وقائع مماثلة.








