هجر إمغري
يفتح الباحث سعيد بوخليط في سيرته الذاتية الجديدة «ربما مررت من هنا» أبوابا واسعة على ذاكرة شخصية امتدت لأكثر من خمسة عقود، مستحضرا تفاصيل من حياته ومساره الدراسي والمهني والبحثي، إلى جانب تحولات اجتماعية وثقافية وسياسية عاشها المغرب منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي وصولا إلى تداعيات سنة 2011.
ويقدم بوخليط هذا العمل، الصادر في نحو 382 صفحة، باعتباره رحلة داخل الذاكرة أكثر من كونه تسجيلا زمنيا متسلسلا لمحطات العمر، حيث تتقاطع في صفحات الكتاب التجربة الشخصية مع أسئلة الحياة والموت والحب والزواج والإنجاب والعزلة والحرية والجسد والعلاقة بالآخر، في محاولة لاستعادة ما ترسب في الذاكرة من صور ومواقف وأشخاص وأمكنة.
ويستعيد المؤلف، من خلال هذه الرحلة، سنوات شكلت جزءا مهما من تجربته الشخصية والفكرية، متوقفا عند مرحلة شهد فيها المجتمع المغربي تحولات متلاحقة تركت آثارها على الأفراد وعلى الأجيال. وبين تفاصيل الحياة اليومية وأسئلة الفكر، يرسم بوخليط ملامح مرحلة تاريخية لم تكن منفصلة عن تجربته الخاصة، بل كانت حاضرة في اختياراته وتطلعاته ومخاوفه وأسئلته.
كما تعود السيرة إلى سنوات الثمانينيات بما حملته من صعوبات اجتماعية ومناخية، وما رافقها من أزمات وتوترات وتحولات كان لها وقع واضح على الحياة العامة. ويستحضر الكاتب في هذا السياق برنامج التقويم الهيكلي، باعتباره إحدى المحطات التي طبعت تلك المرحلة، إلى جانب انتفاضة مراكش في 19 يناير 1984، وما رافقها من أحداث بقيت حاضرة في الذاكرة الجماعية.
ويستحضر بوخليط كذلك فضاءات التعليم والمدرسة العمومية والجامعة، باعتبارها محطات لم تكن مجرد مراحل عابرة في حياته، وإنما شكلت جزءا من تكوينه الفكري والشخصي. فمن داخل هذه الفضاءات، تبلورت أسئلة المعرفة والبحث والاختلاف، وبدأت تتشكل علاقة خاصة بالكتاب والجامعة والنقاش الثقافي والسياسي.
وينتقل السرد أيضا إلى الحياة الحزبية والنضال السياسي والعمل الجمعوي، مستحضرا حضورا لافتا للثقافة والسياسة في حياة جيل عاش تحولات كبيرة. كما يجد الاتحاد الوطني لطلبة المغرب مكانا ضمن هذه الذاكرة، إلى جانب الصحافة الورقية وما كانت تمثله من مساحة للتعبير والنقاش في زمن كانت فيه الصحافة المكتوبة تحتل موقعا مركزيا في المشهد الثقافي والإعلامي.
ولا تغيب عن صفحات السيرة محطات إقليمية ودولية تركت بدورها أثرا في الوعي العام، وفي مقدمتها حرب الخليج، التي جاءت في سياق إقليمي شديد التعقيد، وفرضت نفسها على النقاشات السياسية والثقافية وعلى الحياة اليومية لجيل كامل.
وفي موازاة هذه الأحداث العامة، يقترب بوخليط من تفاصيل أكثر خصوصية، فيستعيد سنوات الدراسة الجامعية وتجربة البحث الأكاديمي، وصولا إلى إعداد أطروحة الدكتوراه وما رافق ذلك من أسئلة وتحديات. ويمنح هذا الجانب من الكتاب مساحة للتأمل في مسار الباحث، وفي العلاقة بين المعرفة والتجربة الشخصية، وبين الطموح الأكاديمي والظروف التي تحيط بالإنسان خلال مراحل حياته المختلفة.
ويكشف السرد أيضا عن محطات مهنية لم تكن دائما مستقرة أو واضحة، من العطالة إلى العمل في الصيدلية، مرورا بالمباريات المهنية وتجربة التعليم. ويقدم المؤلف هذه التجارب باعتبارها أجزاء متداخلة من مسار طويل، لا يمكن اختزاله في محطة واحدة أو وظيفة واحدة، وإنما يتشكل من تراكم المحاولات والانتظارات والخيبات والاختيارات.
ويحضر الأصدقاء والحب والعزلة في عدد من فصول الكتاب، بما يمنح السيرة بعدا إنسانيا يتجاوز الحديث عن المسار الدراسي والمهني. فالعلاقات الإنسانية، كما تظهر في هذا العمل، ليست مجرد تفاصيل جانبية، وإنما جزء من الذاكرة التي يحاول الكاتب استعادتها وفهم أثرها في تكوين شخصيته ونظرته إلى الحياة.
ويضع بوخليط الكتابة الذاتية في مواجهة سؤال الزمن، حيث تصبح استعادة الماضي وسيلة لإعادة النظر في التجربة وليس فقط لتوثيقها. فالإنسان، حين يعود إلى مراحل سابقة من حياته، لا يستعيد الأحداث كما وقعت بالضرورة، وإنما يعيد قراءتها من موقع جديد، مستفيدا من المسافة التي صنعها الزمن بينه وبين ما عاشه.
ويمنح هذا التصور للسيرة الذاتية مساحة تتجاوز فكرة الاعتراف الشخصي، لتصبح الكتابة نفسها وسيلة للتأمل وإعادة بناء المعنى. فالأحداث التي تبدو في لحظتها عادية أو عابرة قد تكتسب، بعد مرور سنوات، دلالات جديدة، وقد تتحول تفاصيل صغيرة من الحياة اليومية إلى علامات تختصر مرحلة كاملة من العمر.
ويؤكد هذا المنظور أيضا أن كتابة السيرة لا ترتبط بالضرورة بالشخصيات المشهورة أو بالأسماء التي صنعت حضورا عاما، إذ يمكن لأي إنسان أن يعود إلى ذاكرته ويجمع شتاتها في نص يروي من خلاله تجربته الخاصة. ومن هذا المنطلق، تبدو السيرة عند بوخليط محاولة لمنح التجربة الفردية قيمة رمزية، وتحويل الذاكرة الشخصية إلى مساحة للتأمل في الحياة والمجتمع والتحولات التي تصنع الإنسان.
ويستعيد «ربما مررت من هنا» بهذا المعنى ليس حياة شخص واحد فقط، وإنما صورا من مغرب عاش تحولات متتالية على امتداد عقود. فحين يتحدث الكاتب عن المدرسة والجامعة والعمل والصحافة والسياسة والجمعيات والثقافة، فإنه يقترب في الوقت نفسه من ملامح مجتمع كان يعيد تشكيل نفسه تحت تأثير ظروف داخلية وإقليمية ودولية متغيرة.
ويبدو أن اختيار عنوان «ربما مررت من هنا» يحمل بدوره دلالة مرتبطة بفكرة العبور والذاكرة. فالمرور في الأمكنة والأزمنة لا يعني دائما ترك أثر واضح، لكن الكتابة تمنح بعض تلك اللحظات فرصة ثانية للحضور، وتعيد إلى الواجهة وجوها وأحداثا وتجارب كان يمكن أن تبتلعها السنوات.
ويحاول سعيد بوخليط من خلال هذه السيرة أن يمنح الماضي شكلا جديدا، لا عبر تقديمه كحقيقة جامدة، وإنما باعتباره تجربة قابلة لإعادة القراءة والتأويل. وبين الذاتي والجماعي، وبين الخاص والعام، تتحول صفحات الكتاب إلى مساحة لاستعادة أسئلة الإنسان أمام الزمن، وما يتركه العمر من آثار في الذاكرة والوعي.
ويخلص العمل، في عمقه، إلى أن الكتابة يمكن أن تكون شكلا من أشكال المصالحة مع الماضي، لأنها تمنح صاحب التجربة فرصة للعودة إلى ما عاشه، والنظر إليه بعين مختلفة، ثم تحويل الذكريات المتفرقة إلى سرد يمنحها ترابطا ومعنى. وهكذا تصبح السيرة أكثر من مجرد حكاية عمر، لتغدو محاولة للإمساك بما تبقى من لحظات وتجارب وأشخاص قبل أن يطويها النسيان.
ويضع بوخليط في نهاية المطاف تجربته الشخصية داخل فضاء أوسع من الذاكرة الفردية، حيث تتقاطع حياته مع ذاكرة جيل ومجتمع ومرحلة تاريخية. وبينما يستعيد تفاصيل الدراسة والعمل والبحث والحب والعزلة والصداقة، يترك للقارئ مساحة للتأمل في تجربته الخاصة، وفي الأشياء التي مرت به وربما لم ينتبه إلى قيمتها إلا بعد سنوات.







