كوثر بوجوال
أجرى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، الخميس 17 شتنبر 2026، مباحثات مع وزير الخارجية البحريني، عبد اللطيف بن راشد الزياني، بمقر الأمم المتحدة في نيويورك. وجاء اللقاء على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، في محطة دبلوماسية جدد خلالها المسؤولان التزام الرباط والمنامة بمواصلة توطيد علاقات الأخوة والتعاون التي تجمع البلدين في مجالات متعددة.
ويكتسب انعقاد هذه المباحثات داخل مقر الأمم المتحدة دلالة خاصة، لأن الاجتماعات الثنائية المنظمة بالتزامن مع الجمعية العامة تتيح للدول تنسيق رؤاها. كما توفر مناسبة لمراجعة مسار العلاقات الثنائية، وتحديد مجالات العمل المشترك، وتبادل التقديرات بشأن الملفات الإقليمية والدولية المطروحة على جدول أعمال المجتمع الدولي.
وخلال اللقاء، أعاد بوريطة والزياني تأكيد إرادتهما في مواصلة تقوية الروابط بين المغرب والبحرين، بما يعكس حرص البلدين على الحفاظ على انتظام الحوار السياسي وتوسيع مساحات التعاون. ولم يقتصر النقاش على العلاقات الثنائية، بل شمل مجموعة من القضايا الإقليمية والدولية، مع الاتفاق على تنسيق مواقف البلدين داخل الهيئات الدولية.
تنسيق يتجاوز الإطار الثنائي
ويكشف الاتفاق على تنسيق المواقف داخل المؤسسات الدولية أن الرباط والمنامة تنظران إلى علاقتهما بوصفها آلية للتشاور والعمل المشترك، وليست مجرد صلة ثنائية محصورة في اللقاءات الرسمية. فالتقارب الدبلوماسي يكتسب أثرا أكبر عندما يتحول إلى تنسيق في المحافل متعددة الأطراف، حيث تحتاج الدول إلى بناء تفاهمات وتبادل الدعم بشأن القضايا التي تتقاطع فيها مصالحها ورؤاها.
ويتيح هذا التنسيق للبلدين متابعة الملفات الدولية، وتبادل المعلومات والتقديرات قبل الاجتماعات أو عمليات التصويت، والبحث عن نقاط الالتقاء الممكنة. كما يساعد على تقديم مواقف منسجمة داخل المنظمات الدولية، مع احترام الأولويات الوطنية لكل دولة وطبيعة الملفات التي تناقشها الأجهزة الأممية والهيئات المتخصصة.
ولا يعني تنسيق المواقف بالضرورة التطابق في جميع التفاصيل، بل يقوم أساسا على التشاور المبكر وتحديد المساحات المشتركة وصياغة مقاربات قادرة على خدمة مصالح الطرفين. ومن هذا المنطلق، يمثل لقاء نيويورك خطوة عملية في تثبيت قناة الحوار بين وزارتي الخارجية، وربط العلاقات الثنائية بحضور البلدين داخل النظام متعدد الأطراف.
الرباط والمنامة تتمسكان باستمرارية الحوار
ويعكس تجديد الالتزام بتوطيد علاقات الأخوة رغبة مشتركة في ضمان استمرارية التعاون وعدم حصره في ظرف سياسي. فالعلاقات المستقرة تحتاج إلى تواصل منتظم بين المسؤولين، ومتابعة ما يتم الاتفاق عليه، وتحويل التفاهمات السياسية إلى برامج وتعاون مؤسساتي قادر على تحقيق نتائج ملموسة.
وتبرز أهمية هذا النوع من اللقاءات في كونه يسمح بتقييم ما تحقق، واستكشاف فرص جديدة للعمل، ومعالجة أي صعوبات قد تؤثر في وتيرة التعاون. كما يمنح المسؤولين فرصة لتقريب وجهات النظر بشأن التطورات المتسارعة، خصوصا أن القضايا الإقليمية والدولية أصبحت مترابطة، وانعكاساتها لا تتوقف عند حدود الدول المعنية بها بصورة مباشرة.
ويؤكد اختيار عبارة «علاقات الأخوة» في توصيف الروابط بين البلدين البعد السياسي والإنساني الذي تحرص الرباط والمنامة على إبرازه. غير أن قوة هذه العلاقات تقاس أيضا بقدرتها على إنتاج تعاون متنوع ومستدام، وبمدى انتظام آليات التشاور، وبنجاح المؤسسات المعنية في ترجمة الإرادة السياسية إلى مبادرات تخدم المصالح المشتركة.
الأمم المتحدة فضاء لتقريب المواقف
وتشكل الجمعية العامة للأمم المتحدة إحدى أبرز المناسبات السنوية التي تجمع قادة الحكومات ووزراء الخارجية والدبلوماسيين. ولذلك تتحول أيام انعقادها إلى مساحة واسعة للاجتماعات الثنائية والمتعددة، حيث تبحث الدول علاقاتها المباشرة، وتناقش الأزمات الدولية، وتنسق تحركاتها داخل المنظمة وأجهزتها.
بالنسبة إلى المغرب والبحرين، أتاح هذا الإطار عقد مباحثات مباشرة في توقيت تتزاحم فيه الملفات الإقليمية والدولية. ويمنح الحضور المشترك في نيويورك الطرفين فرصة للاستماع إلى المواقف المطروحة من مختلف الدول، ومقارنة التقديرات، ثم بلورة صيغ للتنسيق تراعي التحولات الجارية وطبيعة النقاشات داخل الأمم المتحدة.
كما أن الاتفاق على التنسيق داخل الهيئات الدولية يضع على عاتق الأجهزة الدبلوماسية مسؤولية المتابعة بعد انتهاء اجتماعات الجمعية العامة. ففعالية التشاور ترتبط بوجود قنوات اتصال دائمة بين البعثات والوزارات، وبالتحضير المشترك للمواعيد المقبلة، وتبادل الملاحظات حول مشاريع القرارات والمبادرات التي تعرض للنقاش.
علاقات متعددة المجالات وآفاق للتطوير
وأشار اللقاء إلى التزام الطرفين بتقوية التعاون في عدد من المجالات، من دون حصره في مسار واحد. ويعني هذا التوجه أن العلاقات المغربية البحرينية تمتلك قابلية للتوسع عبر مبادرات ثنائية تستجيب لأولويات البلدين، مع الاستفادة من الثقة السياسية لتشجيع المؤسسات والقطاعات المعنية على تطوير برامج مشتركة.
ويظل نجاح هذا المسار مرتبطا بتحديد أهداف واضحة وجدولة تنفيذها ومتابعة نتائجها، لأن قوة العلاقات لا تقاس بعدد اللقاءات فقط، بل بما تنتجه من مشاريع واتفاقات وتنسيق مستمر. كما يمكن للقاءات الوزارية أن تمنح دفعة للعمل التقني، عبر توجيه الإدارات المختصة إلى استكشاف فرص التعاون وإزالة العراقيل التي قد تؤخر تنفيذ المبادرات المتفق عليها.
وتأتي مباحثات بوريطة والزياني لتؤكد أن الدبلوماسية الثنائية تظل مكونا أساسيا في تحرك البلدين داخل الفضاء متعدد الأطراف. فقبل بناء مواقف جماعية داخل المنظمات، تحتاج الدول إلى حوارات مباشرة توضح الأولويات وتحدد نقاط الالتقاء. ومن ثم، يجمع لقاء نيويورك بين بعدين متكاملين، أولهما تعزيز العلاقة بين الرباط والمنامة، وثانيهما تنسيق حضورهما داخل الهيئات الدولية.
ويفتح الاتفاق المعلن الباب أمام مواصلة التشاور خلال المرحلة المقبلة، سواء عبر الاتصالات بين وزارتي الخارجية أو من خلال بعثتي البلدين لدى الأمم المتحدة. وسيكون المعيار الأبرز لنجاح هذا التوجه هو القدرة على تحويل التفاهم السياسي إلى تنسيق منتظم ومبادرات قابلة للتنفيذ، بما يعزز مصالح المغرب والبحرين ويقوي مساهمتهما في النقاشات الإقليمية والدولية.








