إعلان
980×90
مساحة إعلانية
أخبار وطنية

مدونة سلوك للمضايق البحرية تقود رؤية المغرب لحماية الملاحة

09:02 · 18/09/2026

كوثر بوجوال

طرح المغرب من قلب الأمم المتحدة مبادرة لصياغة مدونة سلوك للمضايق البحرية، تنظم مسؤوليات الدول المطلة على المعابر الاستراتيجية وتدعم حرية الملاحة في بيئة أمنية متغيرة. وجاء المقترح على لسان وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، الذي أكد أن تدبير المضايق مسؤولية دولية وليس ملكية تمنح حق الضغط أو الابتزاز.

وقدّم بوريطة الرؤية المغربية خلال اجتماع لمجلس الأمن بصيغة «أريا»، نظمته مملكة البحرين في نيويورك تحت عنوان «بحار آمنة، أمن مشترك: حماية حرية الملاحة في بيئة أمنية متغيرة». وأبرز أن البحار والمحيطات تمثل بنية تحتية عالمية أساسية، لكنها تظل هشة ومعرضة للأطماع والمخططات التي يمكن أن تربك التجارة والأمن والاستقرار.

مدونة سلوك للمضايق البحرية تنطلق من مبدأ المسؤولية

تقوم المبادرة المغربية على فكرة مركزية مفادها أن الدولة المطلة على مضيق دولي لا تملكه، وإنما تتحمل مسؤولية مباشرة في ضمان سلامته وانسيابية المرور عبره. ويعيد هذا التصور ترتيب العلاقة بين الجغرافيا والسيادة والمصلحة الدولية، إذ يحول الموقع الاستراتيجي من امتياز تستخدمه الدولة لمراكمة النفوذ إلى التزام يخدم التعاون والتنمية والاستقرار.

وأكد بوريطة أن المغرب لا ينظر إلى موقعه الجغرافي باعتباره أداة للضغط، رغم إشرافه المباشر على أحد أهم المعابر البحرية في العالم. وبهذا الموقف، يقدم المغرب نموذجا يقوم على إدارة الممرات وفق القانون الدولي، ورفض تحويل حركة السفن وتدفقات التجارة والطاقة إلى أوراق مساومة في الصراعات السياسية أو الأمنية.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية في ظل تزايد المخاطر المحيطة بالملاحة الدولية، لأن أي توتر في مضيق حيوي لا يبقى محصورا في المنطقة القريبة منه. فالاضطراب ينتقل إلى سلاسل الإمداد والأسواق ومواعيد وصول السلع وكلفة النقل، ما يجعل حماية المعابر مسؤولية مشتركة تتطلب قواعد واضحة وتعاونا مستمرا بين الدول.

مضيق جبل طارق بأرقام تكشف ثقله العالمي

استند الوزير إلى تجربة المغرب في تدبير وسلامة مضيق جبل طارق، مؤكدا أن المملكة ليست دولة ساحلية فقط، بل طرف يتحمل مسؤولية مباشرة تجاه هذا المعبر. وتمر عبر المضيق حوالي 100 ألف سفينة سنويا، بما يعادل قرابة 300 سفينة كل يوم، أو سفينة واحدة كل خمس دقائق تقريبا.

وتوضح المقارنات حجم الضغط الملاحي الذي يعرفه المضيق، إذ تفوق حركته المرور في قناة السويس بخمسة أضعاف، وتتجاوز قناة بنما بأحد عشر ضعفا، كما تقترب من ثلاثة أضعاف كثافة الملاحة في مضيق هرمز. وتضع هذه الأرقام المغرب أمام مسؤولية تشغيلية وأمنية متواصلة، نظرا إلى حساسية أي خلل داخل ممر بهذه الكثافة.

ولا تقتصر أهمية جبل طارق على عدد السفن العابرة، بل ترتبط بموقعه ضمن شبكة الملاحة العالمية. لذلك تصبح السلامة والاستقرار والتنسيق عناصر ضرورية لضمان استمرار الحركة، بينما قد يؤدي توظيف المضيق سياسيا إلى آثار تتجاوز مصالح الدول المطلة عليه وتطال شركاء وأسواقا في مناطق متعددة.

مبادرة مغربية لحماية حرية الملاحة الدولية

دعا بوريطة المشاركين إلى التفكير في إعداد مدونة دولية للسلوك تجعل الممرات البحرية فضاءات مفتوحة وآمنة ومستقرة. ويمنح مفهوم المدونة المبادرة بعدا وقائيا، لأنها تهدف إلى تحديد مبادئ مشتركة تضبط تصرف الدول المطلة على المضايق قبل تحول الخلافات إلى أزمات تؤثر في السفن والتجارة وحياة البحارة.

ومن شأن مثل هذا الإطار أن يعزز الالتزام بقواعد القانون الدولي، ويساعد على تبادل الممارسات الفضلى في التدبير والوقاية والاستجابة للمخاطر. كما يمكنه الحد من الاستقطاب بين أطراف تدعي امتلاك المعابر بحكم الجغرافيا، وأخرى تستغل أهميتها لفرض شروط أو ممارسة الابتزاز، وفق ما حذر منه الموقف المغربي.

ولا تعني الدعوة إلى مدونة موحدة تجاهل خصوصية كل مضيق، بل إيجاد أرضية من المبادئ التي تحمي المصلحة الجماعية. فالمعابر تختلف من حيث الموقع وكثافة المرور والتهديدات، غير أنها تشترك في كونها مفاصل للاقتصاد العالمي، وأي تعطيل داخلها يمكن أن ينتج تداعيات واسعة وسريعة.

وتسعى المبادرة أيضا إلى ترسيخ الثقة بين الدول المستخدمة للممرات والدول المشرفة عليها، لأن وضوح القواعد يقلل مخاطر سوء التقدير ويمنح الفاعلين البحريين رؤية أفضل. كما يساعد التنسيق المسبق على التعامل مع الحوادث والتهديدات بسرعة، وحماية التدفقات التجارية من القرارات الأحادية أو ردود الفعل المتسرعة في أوقات الأزمات الدولية.

منتدى مغربي بحريني لتبادل الخبرات

اقترح وزير الخارجية احتضان المغرب منتدى دوليا بالتنسيق مع مملكة البحرين، بهدف تحويل النقاش إلى مسار عملي يجمع الدول والخبراء والجهات المعنية بحرية الملاحة. ويراهن المقترح على تقوية الالتزام بالقواعد الدولية، وتبادل التجارب الناجحة، وبناء فهم مشترك للمسؤوليات المرتبطة بالإشراف على المعابر البحرية.

ويعكس التعاون المقترح بين الرباط والمنامة تقاطع اهتمام بلدين يرتبط أمنهما واستقرارهما بسلامة الممرات البحرية. كما يمنح المنتدى فرصة للانتقال من المواقف العامة إلى نقاش بشأن آليات الوقاية والتنسيق، من دون تحويل المضايق إلى ساحات للاستقطاب أو امتداد مباشر للصراعات بين القوى الإقليمية والدولية.

رؤية مغربية تضع الأمن المشترك فوق الامتياز الجغرافي

يحمل الطرح المغربي رسالة سياسية واضحة مفادها أن الموقع الاستراتيجي لا يبرر الانفراد بالقرار عندما يتعلق الأمر بممر يخدم المجتمع الدولي. فالجغرافيا تمنح الدولة المطلة دورا مهما، لكنها تضع عليها أيضا واجب ضمان المرور الآمن واحترام الالتزامات وعدم تعريض الملاحة لمخاطر تخدم حسابات ضيقة.

وتترجم مدونة سلوك للمضايق البحرية هذا التصور إلى مبادرة قابلة للنقاش والتطوير داخل الفضاء متعدد الأطراف. ومن خلال الاستناد إلى تجربة مضيق جبل طارق واقتراح شراكة مع البحرين، يضع المغرب أمام المجتمع الدولي مسارا يجمع القانون والتعاون وتبادل الخبرات، ويجعل أمن البحار أساسا للأمن المشترك والتنمية والاستقرار العالمي.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية