كوثر بوجوال
دخلت تحضيرات كينيا لكأس أمم إفريقيا 2027 مرحلة دقيقة مع وصول باتريس موتسيبي، رئيس الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، إلى نيروبي في زيارة ميدانية ترمي إلى قياس تقدم الأشغال ومدى استجابة المنشآت للمعايير المطلوبة. وتأتي الجولة بينما لم يتبق سوى عشرة أشهر على انطلاق البطولة التي ستنظمها كينيا إلى جانب أوغندا وتنزانيا، في تجربة غير مسبوقة تجمع ثلاث دول مضيفة. وتحمل الزيارة رسالة واضحة إلى السلطات الرياضية والحكومية بأن مرحلة الوعود والخطط تفسح المجال أمام التقييم العملي، خصوصا أن الملاعب لم تحسم بعد، وأن نجاح الحدث يتطلب تسريع الإنجاز وضبط التنسيق بين الشركاء.
تحضيرات كينيا لكأس أمم إفريقيا 2027 تحت الفحص
وصل موتسيبي إلى العاصمة الكينية الجمعة مباشرة بعد جولة في تنزانيا، حيث عاين ملعب بنيامين مكابا في دار السلام والتقى مسؤولين حكوميين. ومن المنتظر أن يعقد في نيروبي اجتماعات مع مسؤولين في الحكومة والاتحاد الكيني لكرة القدم، وأن يلتقي الرئيس وليام روتو، بالتوازي مع تفقد المنشآت الرياضية ومرافق التدريب والبنيات. ولا تقتصر المهمة على متابعة نسب الإنجاز، بل تشمل تحديد النقاط التي تحتاج إلى تدخل، والتحقق من توافق الأشغال مع دفتر تحملات الكونفدرالية المتعلق بالأمن، وجودة أرضيات الملاعب، وسعة المدرجات، ومناطق الإعلام، وخدمات الجماهير، والمتطلبات التقنية التي تضمن إقامة مباريات بمستوى موحد.
وتأتي هذه المعاينة بعد زيارة نفذها وفد تقني تابع للكونفدرالية خلال غشت، وشملت ملعب تالانتا سبورتس سيتي، وملعب نيايو الوطني، ومجمع موي الرياضي في كاساراني، فضلا عن مرافق مخصصة لتدريبات المنتخبات. كما انتقل الوفد إلى مدينة إلدوريت لتفقد ملعب كيبوغ كينو بوصفه خيارا احتياطيا لاحتضان بعض المباريات. ويكشف تعدد المواقع الخاضعة للتقييم أن كينيا تعمل على بناء شبكة، لا على تجهيز ملعب واحد، لأن البطولة تحتاج إلى ملاعب للمنافسات وأخرى للتدريب ومرافق للإقامة والتنقل والاستشفاء، إضافة إلى منظومة تشغيل قادرة على خدمة المنتخبات والحكام والإعلام والجماهير طوال أسابيع الحدث.
ملعبان في واجهة الرهان الكيني
يتصدر ملعب تالانتا سبورتس سيتي قائمة المشاريع المرشحة لاستضافة مباريات البطولة، بطاقة استيعابية تقارب ستين ألف متفرج، إلى جانب ملعب موي في كاساراني الذي يسع نحو ثمانية وأربعين ألفا. ويمثل المشروعان واجهة الطموح الكيني، لكن القيمة لأي منشأة لن تقاس بعدد المقاعد فقط، بل بجاهزية محيطها وشبكات النقل والمداخل ومخارج الطوارئ ومناطق المشجعين والخدمات اللوجستية. أما ملعب نيايو ومنشآت إلدوريت، فيمنحان المنظمين هامشا لتوزيع اللقاءات والحد من الضغط على نيروبي، شريطة أن تنجز التحسينات ضمن الآجال وأن تجتاز المواقع اختبارات الكونفدرالية دون تحفظات.
وتبدو زيارة رئيس الهيئة القارية مهمة أيضا من زاوية الحوكمة؛ فهي تجمع أصحاب القرار السياسي والرياضي حول جدول زمني واحد، وتسمح بتحويل الملاحظات التقنية إلى التزامات قابلة للمتابعة. فقد أكد موتسيبي في تنزانيا ثقته في قدرة الدول الثلاث على إنجاح البطولة، لكنه أقر في الوقت نفسه بوجود تحديات، ودعا إلى رفع وتيرة العمل واحترام المواعيد المحددة. وتوازن هذه الرسالة بين الدعم والضغط: الكونفدرالية تريد حماية مشروع تنظيم شرق إفريقي تاريخي، لكنها تحتاج كذلك إلى ضمان ألا تتحول الأشغال المتأخرة أو تفاوت الجاهزية بين المدن إلى عبء على البرنامج أو تجربة المشجعين.
تنظيم ثلاثي يرفع سقف التنسيق
ستكون كأس أمم إفريقيا 2027 أول نسخة تستضيفها ثلاث دول، وهو ما يمنح البطولة امتدادا جغرافيا وجماهيريا كبيرا، لكنه يضاعف التعقيدات التشغيلية. فنجاح التنظيم المشترك يفترض تنسيقا دقيقا في التأشيرات، وحركة المنتخبات، والرحلات الجوية، والإجراءات الحدودية، والبث التلفزيوني، والأمن، وتسويق التذاكر. كما ينبغي أن تتقارب معايير الملاعب ومراكز التدريب والإقامة بين كينيا وأوغندا وتنزانيا حتى لا يشعر أي منتخب بأن ظروفه تختلف جذريا باختلاف الدولة أو المدينة. ولهذا تبدو الجولات المتتالية لموتسيبي أداة لتكوين صورة موحدة عن المشروع، وربط تقدم كل بلد بالجدول العام للبطولة، بدلا من تقييم الاستعدادات باعتبارها ملفات وطنية منفصلة.
ويزيد عدم اعتماد القائمة النهائية للملاعب حتى الآن من حساسية المرحلة. فالحسم المبكر يتيح للمدن إعداد خطط النقل والأمن والاستقبال، ويسمح للاتحادات والمنتخبات ببناء تصورات واضحة بشأن مقرات الإقامة والتنقل. أما استمرار الخيارات المفتوحة، فيمنح الكونفدرالية مرونة لاختيار المواقع الأكثر جاهزية، لكنه يضع ضغطا إضافيا على المشاريع المتنافسة. لذلك تمثل نتائج زيارة نيروبي مؤشرا مهما إلى حجم الثقة في المسار الكيني، وإلى طبيعة الملاحظات التي ستوجه للمنظمين قبل اتخاذ القرارات النهائية بشأن توزيع المباريات.
عشرة أشهر لتحويل الأوراش إلى بطولة
الاختبار المقبل لا يتعلق بإنهاء البناء وحده، بل بالانتقال من ورش هندسي إلى منشأة تشغيلية مجربة. ويتطلب ذلك تنظيم اختبارات للمرافق، وتدريب فرق الأمن والمتطوعين، ومحاكاة دخول الجماهير وخروجها، والتأكد من أن شبكات الاتصال والنقل والخدمات الصحية تعمل بكفاءة في أوقات الضغط. وكل تأخر في الأشغال يضغط هذه المرحلة الضرورية، بينما يتيح التسليم المبكر معالجة الأعطاب قبل وصول المنتخبات.
وبين الثقة التي أعلنها موتسيبي والتحذير من تحديات قائمة، تقف كينيا أمام فرصة لتأكيد قدرتها على قيادة جزء أساسي من أكبر حدث كروي إفريقي. وإذا نجحت في إغلاق الملفات التقنية ضمن الآجال، فقد تتحول تحضيرات كينيا لكأس أمم إفريقيا 2027 إلى نموذج للاستثمار الرياضي طويل الأمد، لا مجرد سباق مؤقت لاستقبال المباريات. فالمنشآت يمكن أن تخدم كرة القدم المحلية والرياضيين والجمهور بعد صافرة النهاية، بينما يمنح التنظيم المتقن شرق إفريقيا رصيدا لاستضافة أحداث دولية أخرى. أما الأشهر العشرة المقبلة فستظل حاسمة، لأنها ستحدد إن كانت الخطط المعروضة في الاجتماعات ستتحول إلى ملاعب جاهزة وتجربة آمنة ومتكاملة تليق بالبطولة القارية.








