كوثر بوجوال
التعاون العسكري المغربي الأمريكي يشهد اتساعا في برامجه المرتبطة بتحديث القوات الجوية الملكية، عبر مسار يجمع التدريب والصيانة والدعم الهندسي واللوجستي، ولا يقتصر على توريد العتاد. وتكشف المعطيات المتداولة بشأن المبيعات العسكرية الخارجية عن وجود تسعة عقود وبرامج أميركية حالية تشمل المغرب، في مؤشر على انتقال الشراكة الدفاعية إلى مواكبة تشغيلية تمتد لسنوات.
ويتصدر أسطول مقاتلات إف-16 محاور هذا التعاون، باعتباره منصة تتطلب تحديثا مستمرا للقدرات البشرية والتقنية، وتأهيلا للطيارين والأطقم المختصة، وضمانا لتوفر قطع الغيار وخدمات الإسناد. لذلك تبدو البرامج الجارية مترابطة بين تدريب المحاكاة وصيانة الرادارات والمحركات وإلكترونيات الطيران، بما يسمح بالحفاظ على جاهزية الطائرات وتطوير كفاءتها في ظروف التشغيل.
التعاون العسكري المغربي الأمريكي يركز على منظومة إف-16
من أحدث هذه البرامج عقد بلغت قيمته القصوى 42,1 مليون دولار، منحته وزارة الحرب الأميركية في 31 غشت لشركة متخصصة في التدريب، من أجل توفير نظامين متكاملين لمحاكاة مهام مقاتلات إف-16 بلوك 72. وينص البرنامج على تجهيزات للتدريب ودعم لوجستي، على أن يتم تركيبها بقاعدة سيدي سليمان إلى غاية سنة 2029، في أفق رفع قدرات التدريب العملي دون ربطه دائما بساعات طيران فعلية.
وتكتسي المحاكاة أهمية خاصة في تكوين الطيارين، لأنها تتيح التدرب على سيناريوهات معقدة وتدبير المخاطر واختبار التنسيق بين الطاقم والأنظمة، ضمن بيئة قابلة للضبط. كما تساعد على ترشيد كلفة الاستعمال المكثف للطائرات الحقيقية، مع بقاء التدريب الميداني ضروريا للتحقق من الجاهزية. وبذلك يصبح الاستثمار في المحاكيات جزءا مكملا لمنظومة القتال، وليس ملحقا تقنيا منفصلا عنها.
وتشمل الترتيبات القائمة دعما هندسيا وتقنيا تقدمه شركة لوكهيد مارتن لأساطيل إف-16 في عشر دول من بينها المغرب، إلى جانب صيانة رادارات APG-66 وAPG-68 من خلال برامج مرتبطة بشركة نورثروب غرومان، ودعم مكونات إلكترونيات الطيران. وتعني هذه الخدمات متابعة دورة حياة المنظومات، من التشخيص والإصلاح إلى تحديث البرمجيات والتدبير اللوجستي، وهي عناصر لا تقل أثرا عن شراء الطائرات نفسها.
ويرتبط هذا المسار ببرنامج التحديث الذي انطلق بعد موافقة أميركية سنة 2019 على صفقة محتملة تشمل اقتناء 25 طائرة إف-16 بلوك 72 جديدة، وتحديث 23 مقاتلة أخرى إلى معيار إف-16 في. وتضمنت الحزمة المقترحة رادارات وأنظمة اتصال وحرب إلكترونية وتجهيزات مساندة. غير أن موافقة الجهات الأميركية على البيع المحتمل تشكل إطارا قانونيا وسياسيا، ولا تعني بمفردها إنجاز جميع بنود الصفقة أو تحديد آجال التسليم والتنفيذ.
صفقة ستينغر المحتملة بين الإخطار والتنفيذ
بالتوازي مع برامج الطيران، تواصل الولايات المتحدة مسطرة صفقة محتملة لاقتناء المغرب ما يصل إلى 600 صاروخ من طراز FIM-92K Stinger Block I، بقيمة قصوى تقدر بنحو 825 مليون دولار. وقد جرى إخطار الكونغرس الأميركي بهذه العملية، وهو إجراء يسبق إمكان إبرام الاتفاق، لكنه لا يجعل منها عقد شراء نهائيا. وتبقى مراحل التفاوض والاعتماد والتوقيع والتنفيذ محددة لمسارها الفعلي.
وتوزع القيمة المعلنة بين ما يقارب 552 مليون دولار للمعدات الدفاعية الأساسية و273 مليون دولار للتجهيزات والخدمات المرتبطة بها. وتشمل هذه الخدمات، وفق المعطيات المتاحة، الإسناد الهندسي واللوجستي والمساعدة التقنية، وهي مكونات تبرز أن كلفة اقتناء منظومة دفاعية لا تنحصر في الصاروخ أو القاذف، بل تمتد إلى التدريب والتخزين والصيانة والتأهيل والتكامل مع وسائل المراقبة والقيادة.
وفي حال استكمال الصفقة، ستعزز صواريخ ستينغر القدرة على الدفاع الجوي قصير المدى، وهي قدرة مخصصة للتعامل مع تهديدات جوية ضمن مجال عمليات قريب. غير أن القيمة الفعلية لأي منظومة لا تقاس بعدد القطع المقتناة فقط، بل بمدى اندماجها في شبكة الرصد والقيادة والتدريب، وبالقدرة على صيانتها وتوفير الذخائر وقطع الغيار وفق متطلبات طويلة الأجل.
من اقتناء السلاح إلى استدامة الجاهزية
توضح هذه البرامج أن التعاون الدفاعي الحديث يتجاوز منطق الصفقات المنفصلة، ويتجه نحو بناء سلسلة دعم مرافقة للعمر التشغيلي للمعدات. فالطائرات المتطورة تحتاج إلى تدريب دوري، وصيانة دقيقة، وخبرات هندسية، وتحديثات رقمية، فيما تستلزم أنظمة الدفاع الجوي بنية للقيادة والمراقبة وإجراءات سلامة وتأهيلا مستمرا للمستخدمين. ومن دون هذه العناصر، تتراجع فعالية المعدات مع مرور الوقت مهما بلغت درجة تطورها.
بالنسبة للمغرب، يندرج هذا التوجه ضمن مساعي تحديث قدراته الدفاعية وتنويع أدواتها، مع إيلاء القوات الجوية موقعا أساسيا في منظومة الردع وحماية المجال الجوي. كما يضع المؤسسات العسكرية أمام رهان توطين الخبرة التقنية وتوسيع التأهيل الوطني، حتى لا يظل تشغيل المنظومات المعقدة مرهونا حصرا بالدعم الخارجي، رغم أهمية الشراكات مع المصنعين والجهات الموردة.
وتحمل هذه المقاربة بعدا مؤسسيا أيضا، إذ تقتضي تنسيقا متواصلا بين التخطيط والاقتناء والتكوين والتدبير المالي، مع تحديد مسؤوليات واضحة في التتبع والتقييم. فنجاح برامج التسليح لا يرتبط بمجرد الإعلان عنها، وإنما بقياس أثرها في الجاهزية والقدرة على إنجاز المهام وتطوير الكفاءات الوطنية. كما أن الشفافية في التفريق بين الصفقات النهائية والإخطارات أو الموافقات المحتملة ضرورية لتقديم صورة دقيقة للرأي العام، ولتجنب الخلط بين النوايا السياسية والالتزامات التعاقدية الموقعة فعلا. ويظل معيار النجاعة مرتبطا بمدى استدامة المنظومات وقدرتها على خدمة الأولويات الدفاعية الوطنية وفق قواعد الحوكمة والرقابة المعمول بها.
ويعكس امتداد العقود إلى سنوات مقبلة طبيعة العلاقة بين السلاح المتقدم والخدمات المرافقة له. فالدعم طويل الأمد يوفر استمرارية في التدريب والصيانة، لكنه يفرض أيضا تخطيطا ماليا وتنظيميا دقيقا لضمان الجاهزية وملاءمة الأولويات. وبين صفقة ستينغر المحتملة وبرامج إف-16 القائمة، تتبلور شراكة تقوم على بناء القدرات التشغيلية بقدر ما تقوم على اقتناء المعدات، مع بقاء كل مشروع رهينا بمساراته التعاقدية والتنفيذية الخاصة.








