إعلان
980×90
مساحة إعلانية
مقالات رأي

بين خرائط ماكرون وخطابات فيينا.. هل تملك الجزائر الجرأة لحسم ملف التجارب النووية مع باريس؟

10:46 · 19/09/2026

ياسر الرقاص

تستبق السلطات الجزائرية كل تحول في علاقاتها المتوترة مع باريس بالعودة إلى إثارة ملف التجارب النووية الفرنسية في الصحراء، حيث جددت في المحافل الدولية مطالبتها لفرنسا بتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية.
ويأتي هذا التصعيد الدبلوماسي في وقت كشفت فيه الحكومة الفرنسية عن تسليم كافة الخرائط والبيانات السرية المتعلقة بمواقع النفايات الإشعاعية إلى الرئاسة الجزائرية منذ غشت 2022.

ويفتح هذا التناقض الصارخ الباب أمام تساؤلات ملحة حول ما إذا كانت السلطة تملك الإرادة السياسية الفعلية لطي هذا الملف، أم أنها تفضل إبقاءه معلقا لغايات أخرى.
وللإجابة عن تساؤل مدى امتلاك صانع القرار لجرأة الحسم الميداني والقانوني، يجب تفكيك المقاربة الدبلوماسية المعتمدة، حيث إن التوصل إلى تسوية نهائية لهذا الملف الشائك يعني تجريد الخطاب الرسمي من ورقة سياسية رابحة تضمن له تجييش العواطف وتوجيه الرأي العام الداخلي كلما دعت الحاجة أو اشتدت الضغوط.

وتتطلب تسوية القضايا التاريخية العالقة مع باريس التزاما عمليا، ويبدو أن الإبقاء على هذا النزاع مفتوحا يخدم أجندة إطالة أمد التوتر، واستعماله كأداة للمناورة والمساومة في ملفات إقليمية معقدة، بدلا من إيجاد حلول فعلية وبيئية للمتضررين.

من جهة أخرى، يطرح الاستلام الفعلي للخرائط الدقيقة تحديا مزدوجا يفسر التهرب من الحسم، فالشروع في عمليات التطهير الإشعاعي وإزالة النفايات يستدعي امتلاك ميزانيات ضخمة واستنفارا تقنيا دوليا غير مسبوق، مما يضع الحكومة أمام مسؤولية مباشرة ومساءلة قاسية أمام مواطنيها في حال التقصير أو الفشل في إدارة هذه المواقع.

ويضاف إلى ذلك التخوف المستتر من أن يؤدي الغوص الميداني والقانوني في تفاصيل التفجيرات إلى تسليط الضوء على جوانب تاريخية حساسة ترتبط بالبنود الملحقة باتفاقيات إيفيان، والتي أتاحت استمرار النشاط النووي الفرنسي في العمق الجزائري سنوات بعد الاستقلال، وهو ما يبرر التردد الواضح في الانتقال من مربع الإدانة الشفوية إلى مربع المحاسبة القانونية والتنظيف الفعلي.

وكان التكثيف الإعلامي الأخير قد انطلق عقب كلمة وزير الطاقة مراد عجال أمام المؤتمر العام السبعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية في العاصمة النمساوية، والتي اعتبر فيها أن بلاده شهدت 57 تجربة وتفجيرا نوويا لا تزال آثارها مستمرة.

غير أن الرواية الرسمية اصطدمت برد تفصيلي من وزيرة الدولة الفرنسية لشؤون القوات المسلحة أليس روفو، التي أكدت عبر قبة البرلمان أن باريس أوفت بجميع التزاماتها التقنية، بدءا من تقديم تقييم شامل للوكالة الدولية عام 1999، ونشر التقرير النهائي عام 2005، وصولا إلى تسليم الرئيس إيمانويل ماكرون ملفا كاملا يحوي تفاصيل النفايات المدفونة.

وتعود وقائع الكارثة البيئية إلى الفترة الممتدة بين 1960 و1966 في منطقتي رقان وإن إكر، حيث نفذ الجيش الفرنسي 17 تجربة نووية تسببت في تلوث المحيط البيئي وتسرب غازات مشعة أهلكت النسل والحرث.

ورغم استمرار معاناة السكان والتعقيد المرتبط بقانون التعويضات الفرنسي، تظل المواقف حبيسة الخطابات الرنانة، ليبقى هذا الملف الإنساني رهين الحسابات الضيقة، وتبقى الرمال الملوثة شاهدة على غياب الجرأة الحقيقية لتحويل الخرائط المستلمة إلى ورشة عمل تطهر الأرض وتنهي المتاجرة المستمرة بمعاناة الضحايا.