إعلان
980×90
مساحة إعلانية
سياسة

ابن كيران من أكادير: العدالة والتنمية مستمر رغم العواصف

20:12 · 19/09/2026

هجر إمغري

ابن كيران من أكادير، اختار عبد الإله بنكيران أن يخاطب أنصار حزب العدالة والتنمية بلغة تستحضر مسار التنظيم ومحطاته الصعبة، مستثمرا الحضور الجماهيري للمهرجان الخطابي الذي احتضنته المدينة في توجيه رسائل سياسية وتنظيمية حملت أكثر من دلالة بشأن موقع الحزب واستمراره في المشهد السياسي المغربي.

واستحضر الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، خلال كلمته، عددا من المراحل التي مر منها التنظيم منذ دخوله بقوة إلى المنافسة الانتخابية، مركزا على التحولات التي عرفها رصيده الانتخابي وما رافقها من صعود وتراجع وضغوط سياسية. وأعاد التذكير بالانتقال من تسعة مقاعد إلى 42 مقعدا، باعتبار ذلك محطة تعكس، في قراءته، حجم المسار الذي قطعه الحزب وقدرته على بناء حضور سياسي وتنظيمي امتد لسنوات.

وفي هذا السياق، ركز بنكيران على فكرة التنظيم باعتبارها عنصرا أساسيا في استمرار الأحزاب وقدرتها على مواجهة التحولات السياسية. وربط بين قوة الهياكل الداخلية للحزب وبين وفاء المناضلين والأنصار للقضايا التي دافع عنها التنظيم، معتبرا أن الاستمرار في العمل السياسي لا يرتبط فقط بالنتائج الانتخابية، وإنما يتطلب أيضا الحفاظ على الروابط التي تجمع القيادة بالقواعد والأنصار.

كما منح بنكيران مساحة مهمة للحديث عن العلاقة بين الحزب وقواعده، في خطاب بدا موجها بالدرجة الأولى إلى استنهاض الحضور التنظيمي واستعادة الثقة في المسار الذي اختاره العدالة والتنمية. وأبرز أن المراحل السياسية لا تسير دائما في اتجاه واحد، وأن الأحزاب قد تمر بفترات صعبة قبل أن تعيد ترتيب أوراقها وتبحث عن موقع جديد داخل المشهد السياسي.

ومن جهة أخرى، استعاد الأمين العام للعدالة والتنمية بعض المحطات التي شكلت علامات فارقة في تاريخ الحزب، في محاولة لربط الحاضر بالماضي واستحضار التجربة التي راكمها التنظيم خلال سنوات من الحضور البرلماني والحكومي. وظهر هذا الاستحضار في حديثه عن التحولات الانتخابية وعن الظروف التي رافقت صعود الحزب، بما حمله ذلك من رهانات وتحديات سياسية وتنظيمية.

وبالتوازي مع الرسائل التنظيمية، حضر البعد الديني بقوة في خطاب بنكيران من أكادير، حيث استحضر الخصوصية التاريخية لمنطقة سوس ومكانتها في نشر العلم والقرآن واحتضان المدارس العتيقة. واختار من خلال هذا المدخل استحضار المرجعية الدينية التي تشكل جزءا من هوية الحزب وخطابه السياسي، وربطها بالسياق العام الذي يخاطب فيه أنصاره وجمهوره.

واستخدم بنكيران في هذا الجانب لغة تحذيرية وهو يتحدث عما وصفه باستهداف الدين، في رسالة سياسية ذات حمولة رمزية أراد من خلالها التأكيد على استمرار ارتباط الحزب بالمرجعية التي يقدمها باعتبارها إحدى ركائز هويته. وجاء هذا الطرح في سياق خطاب جمع بين استحضار التاريخ السياسي والتنظيمي للحزب وبين الدفاع عن المرجعية التي تشكل جزءا من خطابه أمام قواعده.

وفي المقابل، لم يكتف خطاب بنكيران باستعادة الماضي، بل حمل أيضا إشارة واضحة إلى المستقبل، من خلال التأكيد على أن العدالة والتنمية لا يعتبر نفسه خارج المشهد السياسي، وأن ما مر به من مراحل صعبة لا يعني نهاية مساره. وتحول هذا المعنى إلى رسالة مباشرة إلى الأنصار مفادها أن الحزب ما زال يتوفر على قاعدة تنظيمية وأنه يسعى إلى مواصلة حضوره رغم التحولات التي عرفتها الساحة السياسية.

ويكشف اختيار أكادير لاحتضان هذا الخطاب عن أهمية المدينة ومنطقة سوس في الحسابات السياسية والتنظيمية للحزب، خصوصا في ظل الحضور التاريخي للمنطقة داخل الخريطة السياسية الوطنية. كما أن استحضار بنكيران للبعد الديني والتاريخي لسوس منح كلمته بعدا محليا يتجاوز الخطاب الانتخابي المباشر، ليربط بين خصوصية المنطقة وبين التصور الذي يقدمه الحزب حول هويته ومرجعيته.

وفي الوقت نفسه، بدا واضحا أن استحضار النتائج الانتخابية السابقة لم يكن مجرد عودة إلى الأرقام، بل جاء لتذكير الأنصار بمراحل الصعود التي عاشها الحزب وبالقدرة التي أظهرها، بحسب قراءة قيادته، على الانتقال من حضور محدود إلى قوة برلمانية وازنة. ومن خلال هذه المقارنة، وضع بنكيران التجربة السابقة في مواجهة المرحلة الحالية، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على التنظيم والوفاء للمبادئ في مواجهة التقلبات السياسية.

ويحاول خطاب بنكيران، بهذا المعنى، الجمع بين أكثر من مستوى؛ فمن جهة يخاطب القواعد الحزبية بلغة تستحضر الوفاء والاستمرارية، ومن جهة ثانية يستعيد محطات من الذاكرة الانتخابية والتنظيمية، بينما يفتح في الجانب الآخر النقاش حول المرجعية الدينية وموقعها في الخطاب السياسي للحزب.

وتأتي هذه الرسائل في وقت يعرف فيه المشهد السياسي المغربي حركية انتخابية متزايدة، ما يجعل خطابات قادة الأحزاب موجهة في الوقت نفسه إلى المناضلين والأنصار وإلى عموم المتابعين للشأن السياسي. وفي حالة العدالة والتنمية، يبرز رهان الحفاظ على الحضور التنظيمي وإعادة تقديم الحزب باعتباره فاعلا سياسيا قادرا على مواصلة العمل داخل المؤسسات وخارجها.

ويضع بنكيران، من خلال خطابه في أكادير، مسألة الاستمرار في قلب النقاش حول مستقبل العدالة والتنمية، مستندا إلى تاريخ الحزب وإلى قاعدة أنصاره وإلى المرجعية التي يعلن تمسكه بها. وبين استحضار مرحلة الصعود والتذكير بفترات الضغط والتراجع، حاول الأمين العام تقديم صورة لمسار سياسي لم يتوقف عند محطة واحدة، بل مر بتحولات متتالية فرضت على التنظيم إعادة ترتيب أولوياته وخطابه وأدوات حضوره.

وهكذا تحولت منصة المهرجان الخطابي في أكادير إلى مساحة لاستعادة الذاكرة السياسية للحزب، وفي الوقت ذاته إلى مناسبة لتوجيه رسائل إلى القواعد بشأن المرحلة المقبلة. وبين التنظيم والوفاء والمرجعية الدينية واستحضار النتائج الانتخابية السابقة، رسم بنكيران ملامح خطاب يضع استمرار العدالة والتنمية في المشهد السياسي عنوانا أساسيا، مؤكدا أمام أنصاره أن التجربة، مهما تغيرت ظروفها، ما زالت مفتوحة على مراحل جديدة.