كوثر بوجوال
بلغ الاستثمار الأجنبي في الصين 479,95 مليار يوان، بما يعادل نحو 71,66 مليار دولار، خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026، مسجلا انخفاضا بنسبة 5,3 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وأظهرت الأرقام الرسمية استمرار تدفق الرساميل الأجنبية نحو الاقتصاد الصيني، رغم التراجع السنوي في القيمة الإجمالية للاستثمار المستخدم فعليا.
وبحسب البيانات الصادرة عن وزارة التجارة الصينية، شهدت الفترة الممتدة من يناير إلى غشت تأسيس 42 ألفا و582 شركة بتمويل أجنبي، بزيادة بلغت 0,3 في المائة على أساس سنوي. ويكشف ارتفاع عدد الشركات الجديدة، بالتزامن مع انخفاض قيمة الاستثمارات، عن تباين بين وتيرة دخول المستثمرين وحجم الأموال التي جرى ضخها فعليا.
الاستثمار الأجنبي في الصين يتجاوز 71 مليار دولار
https://share.google/kMqCYwpuFaVqx0DyD
بالنسبة إلى الشركات الدولية، مستفيدة من حجم الاقتصاد واتساع قاعدة المستهلكين وتنوع سلاسل الإنتاج والخدمات. غير أن الانخفاض البالغ 5,3 في المائة يشير في المقابل إلى ضغوط تحيط بتدفقات الرساميل، وتستدعي متابعة اتجاهها خلال الأشهر المتبقية من السنة.
ولا تعني المقارنة السنوية وحدها انحسار اهتمام المستثمرين بالسوق الصينية، خصوصا أن عدد الشركات الأجنبية المؤسسة حديثا واصل الارتفاع، ولو بنسبة محدودة نسبيا. فالتمييز بين عدد الشركات وقيمة الاستثمار المستخدم يسمح بقراءة أدق، إذ قد تبدأ بعض المشاريع برساميل أقل قبل توسيع أنشطتها، بينما ترتبط المشاريع الكبرى بدورات استثمار وتمويل أطول.
كما أن بيانات الاستثمار الأجنبي المستخدم فعليا تقيس الأموال التي دخلت إلى المشاريع خلال الفترة المحددة، ولا تعكس بالضرورة مجموع التعهدات أو الاتفاقيات المعلن عنها. ولذلك يبقى تقييم الاتجاه العام مرتبطا بتطور التدفقات على مدى السنة كاملة، وبقدرة الشركات الجديدة على الانتقال من مرحلة التأسيس القانوني إلى التشغيل والإنتاج والتوسع.
الخدمات تستحوذ على الحصة الأكبر
بلغ الاستثمار الأجنبي المستخدم فعليا في قطاع الصناعات التحويلية 119,55 مليار يوان خلال الأشهر الثمانية الأولى، وفقا لوزارة التجارة. ويبرز هذا الرقم استمرار حضور المستثمرين الأجانب في القاعدة الصناعية الصينية، التي ترتبط بشبكات واسعة من الموردين والبنيات اللوجستية والقدرات الإنتاجية الموجهة إلى السوق المحلية والتصدير.
اقرأ أيضاً: بين التصعيد الحوثي وحسابات الإقليم.. كيف تخطط الرياض لإعادة صياغة معادلة الردع؟
أما قطاع الخدمات، فاستقطب 350,42 مليار يوان، مستحوذا بذلك على الحصة الأكبر من الاستثمارات الأجنبية المسجلة. ويشمل توسع الخدمات مجالات متعددة ترتبط بالاقتصاد الرقمي والتجارة والنقل والاستشارات والأنشطة المساندة للإنتاج، ما يعكس انتقال جانب من اهتمام المستثمرين نحو القطاعات التي تستفيد من نمو الطلب الداخلي والتحول التكنولوجي.
التكنولوجيا الفائقة تسجل نموا قويا
برز قطاع التكنولوجيا الفائقة بوصفه المحرك الأكثر دينامية في بيانات الأشهر الثمانية الأولى، بعدما بلغ الاستثمار الأجنبي فيه 200,26 مليار يوان. وسجل القطاع نموا بنسبة 35,1 في المائة على أساس سنوي، في اتجاه معاكس للتراجع الذي عرفته القيمة الإجمالية للاستثمار الأجنبي المستخدم في البلاد.
واستحوذت التكنولوجيا الفائقة على 41,7 في المائة من إجمالي الاستثمار الأجنبي، بزيادة قدرها 12,4 نقطة مئوية مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025. ويعكس ارتفاع الحصة تحولا نوعيا في توزيع التدفقات، إذ أصبحت الأنشطة المرتبطة بالتقنيات المتقدمة تستقطب جزءا أكبر من الرساميل الأجنبية المتجهة إلى السوق الصينية.
ويحمل هذا النمو دلالة مهمة بالنسبة إلى توجه الاستثمارات، لأن ارتفاع القيمة والحصة معا يعني أن التكنولوجيا لم تستفد فقط من تغير نسبي سببه تراجع قطاعات أخرى، بل سجلت توسعا فعليا قويا. كما يعزز ذلك موقع الابتكار والبحث والتطوير والصناعات ذات القيمة المضافة ضمن الخيارات التي تجذب الشركات الأجنبية.
فرنسا وسويسرا وكوريا الجنوبية ترفع استثماراتها
كشفت البيانات ارتفاع الاستثمارات القادمة من فرنسا بنسبة 39,2 في المائة خلال الفترة الممتدة من يناير إلى غشت، وهي أعلى نسبة بين الدول الثلاث التي أبرزتها الوزارة. كما زادت الاستثمارات السويسرية بنسبة 16,7 في المائة، بينما ارتفعت التدفقات القادمة من كوريا الجنوبية بنسبة 16,5 في المائة على أساس سنوي.
وتوضح هذه الزيادات أن التراجع الإجمالي لا يشمل جميع مصادر الاستثمار بالوتيرة نفسها، إذ واصلت رساميل قادمة من اقتصادات أوروبية وآسيوية توسيع حضورها. غير أن النسب لا تكشف بمفردها الأحجام المطلقة لكل دولة، ولذلك ينبغي قراءتها باعتبارها مؤشرات على تطور التدفقات، لا ترتيبا نهائيا لأكبر المستثمرين في الصين.
كما قد يرتبط اختلاف معدلات النمو بطبيعة المشاريع وقاعدة المقارنة المسجلة خلال السنة السابقة. فارتفاع استثمارات دولة بنسبة كبيرة لا يعني بالضرورة أنها صاحبة الحجم الأكبر، لكنه يكشف عن تسارع نشاط شركاتها أو دخول مشاريع جديدة خلال الفترة التي تغطيها بيانات وزارة التجارة.
تحول في بنية التدفقات الأجنبية
تقدم الأرقام صورة مزدوجة عن الاستثمار الأجنبي في الصين خلال 2026، تجمع بين تراجع إجمالي بنسبة 5,3 في المائة وبين توسع واضح في عدد الشركات والتكنولوجيا الفائقة. ويشير ذلك إلى أن التحدي لا يتعلق باستقطاب الرساميل فقط، بل أيضا بنوعيتها وقدرتها على دعم القطاعات المتقدمة وتوفير قيمة مضافة مستدامة.
وسيظل أداء الأشهر الأربعة الأخيرة حاسما في تحديد حصيلة السنة، ومدى قدرة النمو القوي في التكنولوجيا على تعويض الانخفاض المسجل في التدفقات الإجمالية. كما ستراقب الشركات تطور الطلب والسياسات التجارية وبيئة الأعمال، قبل اتخاذ قرارات إضافية بشأن توسيع استثماراتها أو إطلاق مشاريع جديدة.
في المحصلة، تجاوز الاستثمار الأجنبي في الصين 71 مليار دولار حتى نهاية غشت، بينما اقترب عدد الشركات الجديدة من 42,6 ألف شركة. ورغم انخفاض القيمة الإجمالية، تكشف قفزة التكنولوجيا وارتفاع الاستثمارات الفرنسية والسويسرية والكورية الجنوبية عن إعادة توجيه متسارعة للرساميل نحو أنشطة أكثر تقدما داخل ثاني أكبر اقتصاد في العالم.








