كوثر بوجوال
انتقلت الحملة الانتخابية في دائرة طنجة-أصيلة، مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، من الاعتماد الحصري على التجمعات الخطابية والجولات الميدانية وطرق أبواب المنازل إلى توظيف مقاطع الفيديو القصيرة وروبوتات المحادثة وتقنيات الذكاء الاصطناعي للوصول إلى الناخبين.
ويخوض المرشحون المتنافسون على المقاعد الخمسة المخصصة للدائرة المحلية سباقا تتعدد فيه أدوات التواصل، بين اللقاء المباشر في أحياء المدن والقرى، والحضور المستمر عبر المنصات الاجتماعية. ويبقى الهدف واحدا، يتمثل في عرض البرامج ومحاولة إقناع المواطنين بمنح أصواتهم يوم الاقتراع.
الحملة الانتخابية الرقمية في طنجة توسع نطاق الوصول
مع ارتفاع وتيرة الجولات الميدانية وتوزيع المطويات والملصقات، اختار عدد من المرشحين تعزيز حملاتهم بنشر محتوى متواصل على الإنترنت. ولم يعد النشاط الرقمي مجرد إعادة نشر صور التجمعات، بل أصبح قناة قائمة بذاتها تقدم رسائل مصممة خصيصا لمستخدمي الهواتف والمنصات الاجتماعية.
ويستخدم بعض المرشحين مقاطع «الريلز» و«الشورتس» لتسجيل حوارات ورسائل مقتضبة يخاطبون من خلالها سكان الدائرة الانتخابية. ويساعد قصر هذه المواد وسرعة تداولها على الوصول إلى جمهور لا يتابع بالضرورة اللقاءات السياسية الطويلة أو لا يستطيع حضور التجمعات الميدانية.
كما يجري بث بعض المقاطع في صورة إعلانات رقمية موجهة إلى متصفحي الإنترنت داخل النطاق الجغرافي للدائرة، استنادا إلى بيانات تقنية من بينها رقم التعريف على الشبكة. وتسمح هذه الآلية للحملة بتوجيه محتواها إلى فئات محددة بدل نشره بصورة عامة أمام مستخدمين لا ينتمون إلى المجال الانتخابي المستهدف.
مرشح يطلق نسخة رقمية مدعمة بالذكاء الاصطناعي
برز ضمن هذه التجربة مرشح شاب يخوض الانتخابات البرلمانية للمرة الأولى، بعد مشاركة سابقة في الانتخابات الجماعية. واختار المرشح الجمع بين الحضور في «الواقع والمواقع»، عبر إطلاق نسخة رقمية منه تعتمد على الذكاء الاصطناعي للتفاعل مع أسئلة المواطنين وعرض تفاصيل برنامجه.
وتحمل الملصقات التي توزع خلال جولاته الميدانية رمز استجابة سريعة «QR»، يقود مسحه بواسطة الهاتف إلى وكيل رقمي صمم على هيئة صورة تفاعلية للمرشح. ويستطيع المستخدم، من خلال هذه الواجهة، طرح أسئلة مرتبطة بالبرنامج الانتخابي والقطاعات التي تتضمنها تعهداته.
اقرأ أيضاً: ماذا وراء تكثيف التدريبات العسكرية الإسبانية في موريتانيا؟
وأوضح المرشح في مقطع تقديمي أن النسخة الرقمية ستجيب عن تساؤلات مواطني الدائرة وانتظاراتهم، وستعرض برنامجه في مختلف المجالات. واعتبر أن المبادرة تمثل أول تجربة لحملة انتخابية مدعمة بالذكاء الاصطناعي، في محاولة لتوفير تواصل متاح خارج مواعيد اللقاءات والجولات.
ويتيح هذا النموذج للناخب الحصول على معلومات في الوقت الذي يناسبه، من دون انتظار وصول المرشح أو فريقه إلى الحي الذي يقيم فيه. كما يسمح للحملة بتكرار شرح المقترحات وتقديم أجوبة فورية، مع تقليص الضغط على الفرق الميدانية التي تعمل ضمن مساحة واسعة تشمل طنجة وأصيلة وجماعات قروية.
طرق الأبواب تحافظ على حضورها
لم يؤد توسع الأدوات الرقمية إلى اختفاء التواصل التقليدي، إذ ما تزال الجولات الميدانية والتجمعات وطرق الأبواب تشكل جزءا أساسيا من الحملات. ويحرص أنصار المرشحين على مصافحة المواطنين وفتح نقاشات معهم وتوزيع الوثائق التي تعرف بالبرامج والالتزامات المرتبطة بتمثيل الدائرة داخل البرلمان.
اقرأ أيضاً: حقوق الإنسان في الأقاليم الجنوبية تفضح التباين مع أوضاع مخيمات تندوف
ويظل اللقاء المباشر مهما لأنه يمنح الناخب فرصة ملاحظة طريقة تفاعل المرشح والاستماع إلى أجوبته من دون وسيط تقني. كما يتيح للحملات التقاط انشغالات محلية قد لا تظهر في الأسئلة الرقمية، خصوصا داخل المناطق التي تعرف تفاوتا في استعمال الإنترنت والمنصات الحديثة.
غير أن الجولات تحتاج إلى تعبئة بشرية وحضور فعلي من أعضاء الأحزاب والأنصار، فضلا عن الوقت والموارد اللازمة لتغطية المجال الترابي. وفي المقابل، تستطيع المادة الرقمية البقاء متاحة طوال اليوم، والوصول في الوقت نفسه إلى عدد كبير من الهواتف والشاشات بكلفة أقل.
من المسافة الجغرافية إلى عدد الشاشات
أضفت المنصات الاجتماعية والذكاء الاصطناعي زخما جديدا على المنافسة الانتخابية، من خلال التفاعل المستمر وتجديد المحتوى وتنويع أساليب الإقناع. ولم تعد المسافة بين المرشح والناخب تقاس بعدد الجولات التي تنظمها الحملة فقط، بل بعدد الشاشات التي تستطيع الوصول إليها ومدى تفاعل أصحابها معها.
ويمنح تعدد القنوات المرشح إمكانية مخاطبة فئات مختلفة بلغات وأساليب متنوعة، إذ يمكن تقديم برنامج مفصل في لقاء مباشر، ثم اختصاره في فيديو، والإجابة عن الأسئلة بواسطة روبوت محادثة. ويساعد هذا التكامل على إبقاء الحملة حاضرة في الفضاء العام والرقمي معا.
لكن فعالية هذه الأدوات تظل مرتبطة بجودة المعلومات التي تقدمها ودقتها، وبقدرتها على نقل البرنامج الحقيقي للمرشح من دون مبالغة أو غموض. فالذكاء الاصطناعي يستطيع تسريع الإجابة، لكنه لا يعوض وضوح الالتزامات أو مسؤولية المرشح عن المحتوى المنشور باسمه.
التفاعل الرقمي أمام اختبار صندوق الاقتراع
تستطيع التكنولوجيا توسيع دائرة الوصول وتسريع التواصل مع المواطنين، غير أن التحدي الأساسي يكمن في تحويل المشاهدة والنقر والتعليق إلى مشاركة انتخابية فعلية. فارتفاع عدد المتابعين لا يعني بالضرورة ارتفاع عدد المصوتين، كما أن انتشار المقاطع لا يضمن اقتناع الناخب بمضمون البرنامج.
ويواجه المرشحون لذلك اختبارا مزدوجا، يتمثل أوله في كسب الانتباه وسط تدفق كبير للمحتوى، وثانيه في بناء ثقة تدفع المواطن إلى التوجه نحو مكتب التصويت. ويظل الجمع بين الحضور الميداني والأدوات الرقمية أقرب إلى تحقيق هذا الهدف من الاعتماد على قناة واحدة.
وقبل اقتراع 23 شتنبر، تقدم طنجة نموذجا لتحول الحملات من التواصل الموسمي التقليدي إلى حضور رقمي متعدد الواجهات. وبين طرق الأبواب ومسح رموز «QR» ومحادثة النسخ الافتراضية، ستبقى القيمة النهائية لهذه الابتكارات مرتبطة بقدرتها على إقناع الناخب وتحويل التفاعل على الشاشة إلى صوت داخل الصندوق، وهو الرهان الذي ستكشف نتائجه نسبة المشاركة واختيارات سكان الدائرة المحلية فعليا.








