فتيحة شاطر
تسعى نيجيريا، أكبر منتج للنفط في أفريقيا، إلى تحويل ثرواتها من أرقام في باطن الأرض إلى نفوذ في أسواق الطاقة. وقد عززت مصفاة دانغوتي موقع البلاد في هذه الأسواق بعدما رفعت صادراتها من المشتقات النفطية، بما أظهر أن امتلاك الموارد لا يكفي وحده، وأن القدرة على معالجتها وتسويقها تمنحها قيمة اقتصادية أكبر.
وعلى الضفة الأخرى من المتوسط، تراقب أوروبا سوق الغاز بحذر. فقد غيرت الحرب الروسية الأوكرانية حسابات الطاقة في القارة، ودفعت العواصم الأوروبية إلى البحث عن مصادر أكثر تنوعًا، وعن مسارات إمداد يمكن ربطها بشبكاتها القائمة، بالتزامن مع اقتراب شتاء جديد. وفي هذه الحسابات، يعود الغاز الأفريقي إلى الواجهة بوصفه موردًا يمكن أن يسهم في تنويع الإمدادات الأوروبية.
وسط هذا المشهد، يبرز مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب باعتباره أحد أكثر مشاريع الطاقة طموحًا في أفريقيا. يبدأ الخط من نيجيريا، ويمتد على طول الواجهة الأطلسية لغرب أفريقيا حتى يصل إلى المغرب، قبل أن يفتح الطريق نحو الأسواق الأوروبية عبر البنية التحتية القائمة والربط الطاقي مع الشمال.
غير أن الأنبوب، في تصوره، لا يقتصر على نقل الغاز النيجيري إلى أوروبا. فمساره يشمل عددًا من دول غرب أفريقيا، بما يتيح إمكانية تزويدها بالغاز، ودعم صناعاتها، وتطوير إنتاج الكهرباء، وتحريك مشاريع التنمية على طول الساحل الأطلسي. وهكذا يأخذ المشروع شكل فكرة إقليمية واسعة، تقوم على ربط اقتصادات الدول التي يمر بها، بدل اختزالها في دور العبور.
ويندرج المشروع ضمن رؤية استراتيجية دفع بها الملك محمد السادس، تقوم على تعزيز التعاون بين المغرب ونيجيريا وربط التنمية الطاقية بالتكامل بين دول القارة. فاستفادة هذه الدول من الغاز يمكن أن تساعدها على تطوير اقتصاداتها المحلية، ورفع تنافسيتها، وجذب الاستثمارات إلى قطاعات تحتاج إلى الطاقة والبنية التحتية معًا.
وتُظهر أرقام المشروع حجم هذا الطموح. فالأنبوب المخطط له يمتد على مسافة تقارب 6800 كيلومتر، ويربط نيجيريا بالمغرب عبر الواجهة الأطلسية، مع قدرة مستهدفة تصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا، وكلفة تقديرية تقارب 25 مليار دولار. وتُطرح إمكانية تخصيص جزء من الغاز لاحتياجات الدول الواقعة على المسار، وتوجيه جزء آخر نحو المغرب وأوروبا. وبهذا الحجم، لا يتعلق الأمر بتعاقد ثنائي أو بخط لنقل مورد خام فقط، بل بمشروع يمكن أن يؤثر في خريطة الطاقة الأفريقية إذا أُنجز.
وتتجاوز المنفعة المحتملة حدود نيجيريا والمغرب. فالدول التي يمر الأنبوب بمحاذاتها يمكن أن تستفيد من مصدر للطاقة يدعم إنشاء المصانع وتوسيع الأنشطة الاقتصادية. كما يمكن أن يخلق المشروع فرص عمل مرتبطة بإنشائه وتشغيله، وأن يدفع إلى تطوير البنية التحتية الطاقية واللوجستية والصناعية. وفي مناطق تعاني ضعف الوصول إلى الكهرباء، قد تصبح إتاحة الغاز عاملًا في دعم الإنتاج وتحسين شروط الاستثمار.
أما بالنسبة إلى المغرب، فيمنحه المشروع موقعًا يتجاوز استقبال الغاز أو تمريره. فالرباط تقدم نفسها بوابة أطلسية قادرة على وصل الثروة النيجيرية بالطلب الأوروبي، وربط غرب أفريقيا بشبكات طاقة أوسع. وتكمن أهمية هذا الدور في أن المشروع يربط بين منتج للغاز، ودول تحتاج إليه لتنمية صناعاتها، وسوق أوروبية تبحث عن تنويع مصادر إمدادها.
وقد اكتسب المشروع زخمًا سياسيًا ومؤسساتيًا بعد توقيع قادة دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا اتفاقًا حكوميًا يتعلق بأنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي. وتمثل هذه الخطوة تقدمًا في تنسيق الدول المشاركة حول المشروع ومساره، وتفتح الطريق أمام مراحل تنظيمية ومالية جديدة.
وتشمل الخطوات المقبلة إنشاء شركة للمشروع يكون مقرها الدار البيضاء، وهيئة لحوكمته يكون مقرها أبوجا، قبل تعبئة المستثمرين والتحضير لقرار الاستثمار النهائي. ويعني ذلك أن الدعم السياسي تحقق في محطة مهمة، بينما لا يزال تحويله إلى أشغال وتمويل واستثمارات يتطلب استكمال مراحل أخرى.
ولا يرتبط الإصرار على المضي في المشروع بحاجة أوروبا وحدها إلى الغاز. فالتحولات الدولية والتقلبات السياسية جعلت مسألة الطاقة في صلب حسابات الدول جميعًا. وتسعى الدول الأفريقية بدورها إلى تعزيز سيادتها الطاقية، لأن توفر الطاقة يؤثر في قدرتها على إنتاج الكهرباء وتطوير الصناعة، كما يرتبط بتشغيل الأنشطة اللازمة لتحقيق الأمن المائي والغذائي. ومن هذه الزاوية، يصبح الغاز الذي يصل إلى دول العبور موردًا للتنمية داخل أفريقيا، قبل أن يكون سلعة موجهة إلى الخارج.
لكن اتساع المشروع يفرض تحديات بحجم طموحه. فالأنبوب يمر عبر منطقة تضم دولًا تختلف أوضاعها الاقتصادية والأمنية، ولذلك يصبح الاستقرار المؤسسي والأمني شرطًا أساسيًا لجذب التمويل وحماية الاستثمارات وضمان استمرار الإمدادات. كما يحتاج نجاحه إلى تعاون الدول المشاركة، حتى تتحول المنافع المرتقبة إلى مشاريع كهرباء وصناعة وبنية تحتية يستفيد منها السكان والاقتصادات المحلية.
وإذا تقدم الأنبوب إلى مراحل التمويل والإنجاز، فستكون قيمته أكبر من نقل الغاز من الجنوب إلى الشمال. نيجيريا ستجد منفذًا أطلسيًا أوسع لثرواتها، ودول غرب أفريقيا قد تحصل على مصدر طاقة وفرص جديدة للصناعة والاستثمار، وأوروبا قد تكسب موردًا إضافيًا، فيما يعزز المغرب موقعه بوابةً تربط غرب أفريقيا بأسواق الشمال. عندها يصبح الأنبوب أداة للتكامل الاقتصادي وتطوير القارة، لا مجرد مسار لتصدير الغاز.








