إعلان
980×90
مساحة إعلانية
سياسة

بين صندوق الاقتراع وصوت الشارع.. هل أضحى بنكيران أسير “نوستالجيا” الأمجاد الغابرة؟

09:39 · 22/09/2026

ياسر الرقاص

في خضم التحولات السياسية العميقة التي يشهدها المشهد المغربي، يبرز الخطاب الأخير للأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، كحالة دراسية تجسد تناقضا حادا بين التمسك النظري بقواعد اللعبة الديمقراطية والمؤسساتية، وبين التلويح بورقة الشارع لفرض الأمر الواقع. هذا التموقع المزدوج يعكس، بحسب العديد من المؤشرات، محاولة مضنية لاستعادة بريق سياسي مفقود، واستحضارا لزمن هيمنة الحزب قبل الانتكاسة الانتخابية الأخيرة.

وفي تفكيك لخطابه أمام حشود من أنصاره، يظهر بنكيران وهو يمارس ما يمكن وصفه بـ “الازدواجية الاستراتيجية”، فمن جهة أولى، يحرص الرجل على إظهار التزامه الصارم بآليات العمل المؤسساتي، حيث يشدد بنبرة حازمة على ضرورة احترام إرادة الناخبين، وتأمين محاضر التصويت داخل المكاتب لضمان الشفافية. 

والتذكير المستمر بالصلاحيات الدستورية لجلالة الملك في اختيار رئيس الحكومة من الحزب المتصدر، هذا الشق من الخطاب يهدف إلى تسويق صورة الحزب المحترم للقانون والثوابت الدستورية.

لكن المفارقة تتجلى بوضوح في الشق الثاني من الخطاب، حيث ينعطف بنكيران بسلاسة نحو لغة التعبئة والتحشيد الجماهيري، مستخدما القاموس الشعبوي الذي يتقنه جيدا، العبارات التي أطلقها من قبيل “لا يوجد إصلاح بدون تضحيات” ودعوته المباشرة للأنصار بـ “الدفاع عن أنفسهم وحقوقهم”، تحول الجمهور من مجرد ناخبين إلى أداة ضغط سياسي. 

والأكثر إثارة للانتباه هو محاولته استباق النتائج عبر اعتبار حجم التجمعات والحشود دليلا قاطعا على الفوز، مصحوبا بعبارات تشكيك استباقية تفترض التلاعب في حال لم تأت النتائج على هوى الحزب، وهو تكتيك كلاسيكي يضع “شرعية الشارع” في مواجهة محتملة مع “شرعية الصناديق”.

ولفهم أبعاد هذه المناورة الخطابية، لا بد من العودة خطوة إلى الوراء ووضعها في سياقها التاريخي والسياسي القريب، فمنذ الهزة العنيفة التي ضربت حزب المصباح في اقتراع الثامن من شتنبر 2021، والتي أودت بتمثيليته البرلمانية في سقوط حر من 125 مقعدا إلى 13 مقعدا فقط، وجد الحزب نفسه في شبه عزلة سياسية. 

وتظهرعودة بنكيران لقيادة الحزب بعد هذه الهزيمة المدوية المبنية على أمل استعادة “الأمجاد الغابرة”، غير أن الوقائع تؤكد أن تكرار الوصفات القديمة في سياقات جديدة نادرا ما يؤتي أكله فقراءات علم الاجتماع السياسي الحديثة تؤكد أن المجتمعات تتجاوز بسرعة الخطابات العاطفية عندما تصطدم بحصيلة التدبير الحكومي المعقدة.

ويطرح هذا الخلط المنهجي في خطاب بنكيران تساؤلات جوهرية حول المستقبل السياسي للحزب، إن محاولة احتكار تمثيل الإرادة الشعبية بناء على كثافة التجمعات، واستعمالها كدرع استباقي للتشكيك في العمليات الانتخابية، قد تزيد من انغلاق الحزب على ذاته. 

فبناء مستقبل سياسي مستدام يتطلب قراءة نقدية لواقع اليوم، بدلا من الارتهان بنوستالجيا ماض لم تعد أدواته صالحة لمغرب اليوم.