رحاب الغرباوي
حافظت المجموعات البنكية المغربية الكبرى على حضور قوي في صدارة القطاع المصرفي الإفريقي، بعدما تمكنت ثلاثة مؤسسات وطنية من دخول قائمة أكبر عشرة بنوك في القارة من حيث حجم الأصول الذاتية الأساسية، وفقا لأحدث تصنيف لمجلة “أفريكان بيزنس” الصادر خلال أكتوبر الجاري.
وتصدر “ستاندرد بنك” الجنوب إفريقي الترتيب القاري بأصول ذاتية أساسية بلغت 15,705 مليار دولار، يليه البنك الأهلي المصري بـ10,494 مليارات دولار، فيما جاء “التجاري وفا بنك” في المركز الثالث بقيمة بلغت 7,676 مليارات دولار.
ولم يتوقف الحضور المغربي عند المركز الثالث، إذ جاء “البنك المركزي الشعبي” في المرتبة السادسة قاريا بأصول ذاتية أساسية وصلت إلى 5,874 مليارات دولار، بينما حل “بنك أفريقيا” تاسعا بـ3,837 مليارات دولار، متقدما على البنك الخارجي الجزائري الذي احتل المركز العاشر بـ3,761 مليارات دولار.

وتكشف هذه النتائج عن ثقل المؤسسات البنكية المغربية داخل المنافسة الإفريقية، خاصة أن ثلاثة بنوك وطنية وجدت لها مكانا بين أكبر عشرة فاعلين مصرفيين في القارة، إلى جانب استمرار تقدم المجموعات الجنوب إفريقية والمصرية التي تشكل القوة الرئيسية في مقدمة التصنيف.
وسجل “التجاري وفا بنك” خلال الفترة موضوع التصنيف ارتفاعا بنسبة 22,88 في المائة في أصوله الذاتية الأساسية، مدفوعا بتحسن أدائه المالي، إذ بلغت أرباحه الصافية الموحدة نحو 1,33 مليار دولار، بينما وصلت مردوديته على الأصول الذاتية إلى 23,8 في المائة.

ويمتد نشاط المجموعة إلى 27 بلدا، بينها 15 دولة إفريقية، فيما تضم قاعدة زبنائها نحو 12 مليون زبون، وهو ما يمنحها حضورا واسعا خارج السوق المغربية ويعزز موقعها بين المجموعات المصرفية ذات الانتشار القاري.
وعلى مستوى القطاع البنكي المغربي ككل، ارتفعت الأصول الذاتية الأساسية للمؤسسات المغربية التسع المدرجة ضمن قائمة أكبر 100 بنك إفريقي من 20,3 مليار دولار إلى 23,3 مليار دولار، مسجلة نموا بنسبة 14,8 في المائة خلال عام واحد.
ويأتي هذا الأداء في وقت شهدت فيه البنوك الإفريقية الكبرى توسعا واضحا في قواعدها الرأسمالية، إذ ارتفع مجموع الأصول الذاتية الأساسية لأكبر 100 بنك في القارة بنسبة 23 في المائة، لينتقل من 126,1 مليار دولار إلى حوالي 155 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ سنوات، متجاوزا الرقم المسجل سنة 2022 والبالغ 135,3 مليار دولار.
وتفسر هذه الزيادة بمجموعة من العوامل، من بينها تحسن أرباح المؤسسات البنكية، وتوجه عدد من الأسواق نحو تعزيز الرساميل لمواجهة المخاطر، فضلا عن تأثير تقلبات أسعار الصرف عند تحويل البيانات المالية إلى الدولار الأمريكي، وهي العملة المعتمدة في التصنيف.
ويبرز تأثير سعر الصرف بشكل خاص في حالة البنوك المغربية، إذ ارتفعت قيمة الدرهم أمام الدولار بنحو 11 في المائة خلال سنة 2025، ما ساهم في رفع القيمة الدولارية للأصول الذاتية المسجلة للمؤسسات المغربية.
ويعتمد تصنيف “أفريكان بيزنس” على الأصول الذاتية الأساسية من المستوى الأول “Tier 1”، التي تشمل بصورة أساسية رأس المال والاحتياطيات والأرباح المحتفظ بها، بعد احتساب الخصومات التنظيمية. ولا يتعلق الأمر، بالتالي، بقياس مباشر للملاءة أو حجم المخاطر، وإنما بترتيب المؤسسات وفق قوتها الرأسمالية المطلقة.
وفي مقدمة المنافسة القارية، حافظت جنوب إفريقيا على وزنها الكبير، إذ احتلت أربعة من المراكز العشرة الأولى، بينما حجزت مصر مركزين، إلى جانب ثلاثة للمغرب ومركز للجزائر.
وسجل “ستاندرد بنك” ارتفاعا بنسبة 19 في المائة في أصوله الذاتية الأساسية، التي بلغت 15,7 مليار دولار، مدعوما بأرباح صافية وصلت إلى 3,4 مليارات دولار، وأصول إجمالية ناهزت 217,7 مليار دولار. وتمتد أنشطة المجموعة إلى 21 بلدا إفريقيا.
أما البنك الأهلي المصري، فقد حقق واحدا من أقوى معدلات النمو بين البنوك المتقدمة في الترتيب، بعدما قفزت أصوله الذاتية الأساسية بنسبة 43,83 في المائة إلى نحو 10,5 مليارات دولار، فيما بلغت أرباحه 2,6 مليار دولار، ووصل إجمالي أصوله إلى 160,1 مليار دولار.
وتظهر البيانات أيضا اتساع الفارق في القاعدة الرأسمالية بين المجموعات المصرفية الإفريقية الكبرى، إذ بلغت الأصول الذاتية الأساسية للبنوك المصرية العشرين المدرجة في قائمة المائة حوالي 31 مليار دولار، مقابل 22,6 مليار دولار في السنة السابقة، بينما وصلت إلى 39,56 مليار دولار بالنسبة إلى البنوك الجنوب إفريقية الستة الواردة في التصنيف.
وفي شمال القارة، بلغت الأصول الذاتية الأساسية للبنوك 70,5 مليار دولار، بارتفاع قدره 21 في المائة مقارنة بسنة 2024، حين كانت في حدود 58 مليار دولار. أما بنوك إفريقيا الجنوبية فسجلت زيادة بنسبة 17 في المائة لتصل إلى 47,8 مليار دولار.
وفي اتجاه آخر، برز القطاع البنكي النيجيري بأحد أسرع معدلات النمو، بعدما ارتفعت أصوله الذاتية الأساسية من 10,3 مليارات دولار إلى 15,2 مليار دولار، أي بزيادة بلغت 47,6 في المائة، مستفيدا من عمليات إعادة الرسملة التي أطلقها البنك المركزي النيجيري لرفع الحد الأدنى لرؤوس أموال البنوك.
ورغم ذلك، لم تتمكن أي مؤسسة نيجيرية من دخول قائمة العشرة الأوائل، بفعل التأثير الكبير لتراجع قيمة النايرا أمام الدولار على قيمة أصولها عند احتسابها بالعملة الأمريكية. وسجل بنك إفريقيا المتحد “UBA” تقدما بخمسة مراكز، ليستقر في المرتبة الخامسة عشرة، بعدما ارتفعت أصوله الذاتية الأساسية من 1,7 مليار دولار إلى 2,7 مليارات دولار.
وعلى مستوى الحجم الإجمالي للقطاع، ارتفعت أصول أكبر 100 بنك إفريقي بنسبة 16 في المائة، لتبلغ نحو 1800 مليار دولار، تستحوذ بنوك شمال إفريقيا منها على حوالي 830 مليار دولار.
وتؤكد هذه الأرقام أن المنافسة المصرفية في إفريقيا تتجه بشكل متزايد نحو بناء قواعد رأسمالية أكثر صلابة، في وقت تتسع فيه حاجيات تمويل الاقتصادات الإفريقية وتزداد الضغوط المرتبطة بالمخاطر والتقلبات النقدية. وفي هذا المشهد، يواصل المغرب الحفاظ على موقع متقدم بفضل الحضور القوي لمجموعاته البنكية الكبرى، التي باتت تنافس بشكل مباشر المؤسسات المصرفية الأثقل وزنا في القارة.








