إعلان
980×90
مساحة إعلانية
ثقافة و تراث

«لعب الرمى» يعيد سحر الحلقة الشعبية المغربية إلى الدار البيضاء

10:07 · 10/10/2026

منال الهداوي

تستعد مدينة الدار البيضاء لاستقبال عرض مسرحي يحتفي بذاكرة الفرجة الشعبية المغربية، من خلال مسرحية «لعب الرمى» التي تقدمها فرقة أكنول للثقافة والفنون يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026 على خشبة مسرح ابن امسيك، في موعد ثقافي يسعى إلى إعادة إحياء أجواء الحلقة التقليدية واستحضار ما تختزنه من حكايات وأغان وألعاب شعبية ظلت جزءا من الذاكرة الجماعية للمغاربة عبر أجيال متعاقبة.

ويأتي هذا العمل المسرحي ليمنح الجمهور فرصة لاكتشاف عالم فني يستلهم جذوره من الساحات الشعبية والفضاءات المفتوحة، حيث كانت الحلقة تشكل ملتقى للحكواتيين والموسيقيين والممثلين وصناع الفرجة، الذين استطاعوا بأدوات بسيطة وأداء عفوي جذب انتباه المتفرجين وصناعة لحظات من الضحك والتأمل والتواصل الإنساني. ومن خلال هذه التجربة، تراهن الفرقة على تقديم التراث الشعبي في قالب مسرحي يجمع بين الأصالة والتجديد، ويقرب الأجيال الجديدة من أشكال التعبير الفني التي رافقت الحياة اليومية للمجتمع المغربي.

وتنطلق مسرحية «لعب الرمى» من فكرة الحلقة بوصفها فضاء مفتوحا على الحكاية واللعب والارتجال، إذ يجتمع أربعة فنانين جوالين لتقديم فرجة تتشكل أمام أعين الجمهور، اعتمادا على الحركة والأداء والموسيقى والأغنية والأمثال الشعبية. ولا يحتاج هؤلاء الفنانون إلى تجهيزات مسرحية معقدة لصناعة عالمهم الخاص، بل يوظفون إكسسوارات بسيطة وحركات تعبيرية ومواقف ساخرة تسمح بتحويل الخشبة إلى فضاء نابض بالحياة، يستحضر أجواء الساحات التي كانت تحتضن رواة الحكايات وصناع المتعة الشعبية.

وتتخذ الحكايات المستمدة من الموروث المغربي مكانة أساسية داخل هذا العرض، حيث يستعيد العمل قصة «حميدة الحالوي والحاكم»، بما تحمله من دلالات مرتبطة بالحكمة والصدق ومواجهة الفتنة، إلى جانب استحضار حلقة «الشلح والعروبي» التي تفتح المجال أمام المواقف الكوميدية والتفاعل المباشر مع المتفرجين. ومن خلال هذه النماذج، تعمل المسرحية على إبراز قدرة الحكاية الشعبية على الجمع بين الترفيه وتقديم المعاني الإنسانية والاجتماعية، بعيدا عن الاقتصار على استعادة الماضي بصورة جامدة.

إقرأ أيضا :المهرجان-الوطني-للفنون-الشعبية

ولا تتعامل فرقة أكنول للثقافة والفنون مع هذه العناصر باعتبارها مجرد مظاهر فولكلورية تستحضر في المناسبات، وإنما توظفها بوصفها مادة إبداعية قابلة للتجدد والتطوير. فالحكاية والمثل والأغنية والحركة ليست عناصر منفصلة عن الواقع، بل أدوات تساعد على فهم التحولات الاجتماعية واستحضار القيم التي انتقلت شفهيا من جيل إلى آخر، وهو ما يمنح العرض بعدا ثقافيا يتجاوز حدود الفرجة العابرة.

ويحضر الجمهور في قلب التجربة المسرحية، إذ لا يقتصر دوره على متابعة الأحداث من مقاعد المشاهدة، بل يصبح جزءا من البناء الفرجوي من خلال التفاعل والارتجال واستحضار الذكريات والمشاركة في الألعاب والأهازيج. ويمنح هذا الاختيار العرض طابعا متجددا، لأن العلاقة بين الفنان والمتفرج تظل مفتوحة على ردود الأفعال والمواقف العفوية التي قد تختلف من لحظة إلى أخرى، بما يجعل كل لقاء مسرحي تجربة قائمة بذاتها.

وتبرز هذه العلاقة أهمية الحلقة في الثقافة الشعبية المغربية، باعتبارها شكلا من أشكال التواصل الجماعي الذي يقوم على الحضور المباشر وتقاسم اللحظة الفنية. فالحلقة لا تكتمل من دون متفرجين يتفاعلون مع الحكاية ويستجيبون للإيقاع ويشاركون في صناعة الأجواء، كما أن استمرارها يرتبط بقدرتها على التكيف مع تغير الأذواق والفضاءات ووسائل التعبير. ومن هذا المنطلق، تطرح «لعب الرمى» سؤالا ثقافيا حول كيفية الحفاظ على التراث غير المادي، وتحويله إلى تجربة حية تستجيب لانتظارات الجمهور المعاصر.

وبين مشاهد اللعب والمواقف الساخرة وتتابع الحكايات، يكشف العرض تدريجيا عن جوانب من حياة الفنانين الأربعة الذين اختاروا الترحال والتنقل بين الساحات، حاملين معهم أدواتهم ووسائل تعبيرهم وذاكرتهم الفنية. ويتيح هذا المسار التعرف على عالم الفنان الشعبي من زاوية إنسانية، حيث تتداخل متطلبات العيش مع شغف الإبداع، وتتقاطع الرغبة في إسعاد الجمهور مع التحديات التي تفرضها حياة التنقل والعمل في فضاءات متغيرة.

وتتخذ هذه التفاصيل بعدا خاصا حين تتحول حياة الفنانين أنفسهم إلى جزء من الحكاية، فتظهر المفارقات والمواقف الكوميدية التي تكشف ما يختبئ خلف الضحك من تجارب إنسانية وأسئلة مرتبطة بالاستمرار والهوية والانتماء. وهكذا، لا يقدم العمل الحلقة باعتبارها وسيلة للترفيه فقط، بل يفتح نافذة على الأشخاص الذين يحملون هذا التراث ويحافظون عليه من خلال الممارسة اليومية، في مواجهة خطر تراجع بعض أشكال الفرجة التقليدية أمام التحولات التي تعرفها الحياة الثقافية ووسائل الترفيه الحديثة.

وتبلغ التجربة ذروتها في لحظات احتفالية تتداخل فيها الموسيقى والأهازيج الفلكلورية مع الحركة والفرح الجماعي، لتتحول الخشبة إلى مساحة للتواصل وتبادل المشاعر. وتعيد هذه النهاية التأكيد على الدور الذي يمكن أن تؤديه الفنون الشعبية في تقريب الناس من بعضهم البعض، وصناعة لحظات مشتركة تستمد قوتها من البساطة والعفوية والارتباط بالذاكرة المحلية.

ومن خلال تقديم «لعب الرمى» بمدينة الدار البيضاء، تفتح فرقة أكنول للثقافة والفنون المجال أمام لقاء جديد بين المسرح المعاصر والتراث الشعبي المغربي، في محاولة لإعادة تقديم الحلقة بلغة فنية تستجيب لاهتمامات جمهور اليوم. فالرهان لا يتعلق باستنساخ الأشكال القديمة كما كانت، وإنما باستلهام روحها وتوظيف إمكاناتها التعبيرية داخل عرض قادر على الجمع بين الحكاية والموسيقى والضحك والتفاعل المباشر.

ويكتسب هذا الموعد المسرحي أهمية إضافية من خلال تسليط الضوء على التراث الثقافي غير المادي، الذي لا تحافظ عليه الذاكرة وحدها، بل يحتاج إلى الممارسة والتوثيق والتجديد وإتاحة الفرصة أمام الأجيال الجديدة للتعرف عليه. وبين خشبة المسرح وأجواء الحلقة الشعبية، تسعى «لعب الرمى» إلى إعادة الاعتبار لفن ظل مرتبطا بالفضاءات العامة وبحضور الناس، مؤكدة أن الحكايات القديمة قادرة على مواصلة الحياة متى وجدت من يعيد روايتها بأساليب جديدة.

وبذلك، يقدم العرض تجربة تجمع بين متعة المشاهدة واستحضار الذاكرة، وتمنح الجمهور فرصة للتفاعل مع جانب من الهوية الفنية المغربية في فضاء مسرحي معاصر. ومن المنتظر أن يشكل موعد 12 أكتوبر بمسرح ابن امسيك مناسبة للاحتفاء بفن الحلقة، واستكشاف ما يتيحه من إمكانات إبداعية تواصل الربط بين الماضي والحاضر، وبين الفنان والجمهور، وبين التراث بوصفه ذاكرة مشتركة والمسرح باعتباره وسيلة متجددة للتعبير.