رحاب الغرباوي
تراهن الدولة على تثمين رصيدها العقاري لتوفير موارد مالية إضافية تدعم الاستثمار العمومي، بعدما مكنت آليات التمويل المبتكرة، المعتمدة منذ سنة 2019، من تعبئة ما يقارب 147 مليار درهم إلى نهاية سنة 2025. ويبرز هذا التوجه ضمن الخيارات المالية التي اعتمدتها الخزينة لتوفير السيولة اللازمة لتمويل المشاريع العمومية، دون حرمان الإدارات والمؤسسات المستفيدة من العقارات المعنية من مواصلة استغلالها.

وتكشف الحصيلة السنوية لمديرية الميزانية برسم سنة 2025 عن تسارع لافت في اللجوء إلى هذه الآليات، بعدما بلغت الموارد المحصلة خلال السنة الماضية 40,1 مليار درهم، مقابل 7,15 مليار درهم عند انطلاق التجربة سنة 2019. ويعكس هذا التطور اتساع دور الممتلكات العقارية العمومية في دعم الموارد المالية الموجهة للاستثمار.
ويقوم هذا النموذج على نقل ملكية بعض العقارات التابعة للدولة إلى مستثمرين مؤسساتيين مقابل مبالغ مالية، مع احتفاظ الإدارات العمومية بحق الانتفاع بها من خلال عقود إيجار طويلة الأمد. وتسمح هذه الصيغة بتحويل القيمة المالية لأصول قائمة إلى موارد قابلة للتعبئة، مع ضمان استمرار المرافق العمومية في تقديم خدماتها من المقرات والمباني المعنية.
وتشمل العقارات المستهدفة بنايات وممتلكات تستخدمها قطاعات حيوية، من بينها التربية الوطنية والصحة والعدل والتعليم العالي، إذ تسعى الدولة إلى استثمار القيمة الاقتصادية لهذه الأصول بدل إبقائها خارج دائرة التوظيف المالي، مع توجيه العائدات نحو تمويل مشاريع جديدة وتعزيز الاستثمار العمومي.
وتتولى مديرية الميزانية الإشراف الاستراتيجي على هذا الورش، من خلال تنسيق العمليات ومواكبة مختلف المتدخلين وتتبع الإجراءات المرتبطة بتنفيذها. كما تتيح الآلية للمستثمرين المؤسساتيين، خصوصا عبر هيئات التوظيف الجماعي العقاري، فرصا لتنويع استثماراتهم والاستفادة من عائدات إيجارية منتظمة على المدى الطويل.
ويأتي تنامي هذه الموارد في سياق تحسن المؤشرات المالية للدولة خلال سنة 2025، إذ ارتفعت المداخيل العادية بنسبة 14,2 في المائة مقارنة بالسنة السابقة، لتبلغ 424,2 مليار درهم، بزيادة تناهز 52,9 مليار درهم.
وسجلت الإيرادات الضريبية بدورها ارتفاعا مهما، بعدما وصلت إلى 358,9 مليار درهم، متجاوزة التوقعات بنسبة إنجاز بلغت 108,8 في المائة، وبزيادة سنوية قدرها 14,1 في المائة، أي ما يعادل 44,4 مليار درهم.
وتوزعت أبرز الزيادات بين الضريبة على الشركات التي ارتفعت مداخيلها بـ21,3 مليار درهم، والضريبة على القيمة المضافة بـ9,1 مليار درهم، والضريبة على الدخل بـ5,7 مليارات درهم، إلى جانب الضريبة الداخلية على الاستهلاك التي أضافت 4,6 مليارات درهم. كما ارتفعت مداخيل رسوم التسجيل والتنبر بـ2,2 مليار درهم، والرسوم الجمركية بمليار درهم.
وساعدت هذه الدينامية في الموارد، إلى جانب ضبط النفقات، على تقليص عجز الميزانية إلى 3,5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال السنة الماضية، مسجلا تحسنا بـ0,3 نقطة مقارنة بسنة 2024. وشملت جهود التحكم في الإنفاق ترشيد 4,5 مليارات درهم من نفقات التسيير.
غير أن المعطيات المتعلقة بتنفيذ الميزانية تبرز تحديا آخر يرتبط بمدى تحويل الاعتمادات المرصودة للاستثمار إلى نفقات منفذة فعليا. فقد بلغت الاعتمادات المتاحة لهذا الغرض 167,5 مليار درهم خلال 2025، في حين استقرت الالتزامات عند 147,1 مليار درهم، ولم تتجاوز الإصدارات 129,44 مليار درهم.
وتكشف هذه الأرقام عن فارق يقارب 38 مليار درهم بين الاعتمادات الاستثمارية المتاحة والإصدارات المسجلة، ما يطرح مسألة تسريع وتيرة تنفيذ المشاريع المبرمجة وتحسين استغلال الموارد المرصودة لها. وبلغت نسبة الالتزام باعتمادات الاستثمار 88 في المائة، بينما مثلت الإصدارات 88 في المائة من الالتزامات.
وعلى النقيض من ذلك، أظهرت نفقات التسيير مستوى مرتفعا من التنفيذ، بعدما وصلت الالتزامات إلى 328,98 مليار درهم من أصل 330,5 مليار درهم من الاعتمادات المتاحة، بنسبة قاربت 99 في المائة.
ويضع هذا التفاوت بين تنفيذ نفقات التسيير والاستثمار العمومي مسألة نجاعة التدبير المالي ضمن التحديات المطروحة، خصوصا في ظل تعبئة موارد إضافية يفترض أن تسهم في تمويل المشاريع المهيكلة ومواصلة الاستراتيجيات القطاعية. فارتفاع التمويلات المتاحة لا يحقق أهدافه كاملة ما لم يواكبه تقدم فعلي في تنفيذ الاستثمارات وإنجاز المشاريع المقررة.
وتؤكد حصيلة مديرية الميزانية أن تثمين العقارات العمومية أصبح أحد المكونات المتنامية في تمويل الاستثمار بالمغرب، بعدما ارتفعت الموارد السنوية المتأتية من هذه الآليات من 7,15 مليار درهم سنة 2019 إلى 40,1 مليار درهم سنة 2025. وبينما تتيح هذه الصيغة للدولة تعبئة السيولة انطلاقا من ممتلكاتها القائمة، يظل الرهان مرتبطا بحسن توجيه هذه الموارد وتسريع تحويلها إلى مشاريع واستثمارات ذات أثر اقتصادي واجتماعي.








