منال الهداوي
تجددت الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة، السبت 10 أكتوبر 2026، مخلفة ستة قتلى فلسطينيين، بينهم طفلة تبلغ من العمر ثماني سنوات، وأكثر من عشرين مصابا، في مشهد يعكس استمرار معاناة المدنيين رغم مرور عام على إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس. وشهدت مناطق متفرقة من مدينة غزة غارات جوية وهجمات نفذتها طائرات مسيرة، وسط مخاوف من اتساع دائرة الخسائر البشرية واستمرار تدهور الأوضاع الإنسانية والصحية داخل القطاع.
وأعادت هذه الهجمات تسليط الضوء على هشاشة الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، بعدما كان ينتظر منها أن تمهد الطريق أمام وقف العنف وتخفيف معاناة السكان، غير أن استمرار الضربات المتفرقة أبقى الفلسطينيين أمام واقع أمني مضطرب، تتجدد فيه المخاوف من سقوط مزيد من الضحايا وتفاقم الأزمات المعيشية.
وفي تفاصيل الهجمات، أسفرت غارة نفذتها طائرة مسيرة إسرائيلية بالقرب من دوار حيدر عبد الشافي في حي الرمال، غربي مدينة غزة، عن مقتل أربعة فلسطينيين وإصابة تسعة آخرين، بينهم طفل وامرأة. وتأتي هذه الحصيلة في سياق استهداف مناطق مدنية داخل المدينة، حيث يجد السكان أنفسهم أمام مخاطر متواصلة في ظل صعوبة التنبؤ بمواقع الهجمات وتوقيتها.
وبالتزامن مع ذلك، شهد حي الرمال حادثا مأساويا آخر بعدما قتلت الطفلة شهد عبد الرزاق النجار، البالغة ثماني سنوات، إثر إصابتها برصاص طائرة مسيرة إسرائيلية من طراز كواد كابتر. وأعاد مقتل الطفلة إلى الواجهة حجم المخاطر التي تهدد الأطفال في قطاع غزة، خصوصا في المناطق التي تتعرض للقصف أو تحلق فوقها الطائرات المسيرة بصورة متكررة.
إقرأ أيضا : فلسطين-تراهن-على-المغرب-لحماية-القدس
وفي شمال شرقي المدينة، لقي الفلسطيني محمد وليد النخالة، البالغ 44 عاما، حتفه جراء غارة استهدفت شارع يافا في حي التفاح، فيما أصيب عدد من الأشخاص في الهجوم ذاته. وبذلك ارتفعت حصيلة الضحايا إلى ستة قتلى، بينما تجاوز عدد المصابين عشرين شخصا، في حصيلة تزيد من الضغوط على المؤسسات الصحية التي تواجه تحديات كبيرة في التعامل مع الإصابات الناتجة عن الهجمات.
وعلى المستوى الطبي، استقبل مستشفى الشفاء في مدينة غزة ضحايا الغارات الجديدة، وسط تحذيرات من خطورة الوضع الصحي ونقص المستلزمات الضرورية للتعامل مع الإصابات الخطيرة. وأكدت إدارة المستشفى أن بعض المصابين يوجدون في حالات حرجة، ما يستدعي توفير الأدوية والمعدات الطبية اللازمة لإجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية العاجلة.
ويزيد النقص الحاد في المستلزمات العلاجية من تعقيد مهمة الطواقم الطبية، التي تجد نفسها مطالبة بإنقاذ المصابين في ظروف صعبة، مع محدودية الموارد الضرورية للتدخل السريع. ولا تقتصر تداعيات هذا الوضع على المصابين الجدد، بل تمتد أيضا إلى المرضى الذين يحتاجون إلى علاجات مستمرة ورعاية متخصصة، الأمر الذي يجعل توفير الإمدادات الطبية عاملا حاسما في إنقاذ الأرواح والحد من المضاعفات.
كما يثير استمرار الضغط على المستشفيات مخاوف بشأن قدرة القطاع الصحي على مواصلة تقديم خدماته، خصوصا عندما تتزامن الإصابات الجماعية مع نقص الأدوية والمعدات الأساسية. وفي مثل هذه الظروف، تصبح سرعة توفير الإمدادات الطبية وتسهيل وصولها من المسائل الأساسية للتعامل مع الحالات الحرجة وتقليل الخسائر البشرية.
وتكتسب الهجمات الأخيرة أهمية إضافية بسبب توقيتها، إذ جاءت بالتزامن مع مرور سنة على إعلان وقف إطلاق النار في غزة، في 10 أكتوبر 2025، ضمن خطة أميركية أعقبت حربا مدمرة استمرت نحو عامين بين إسرائيل وحركة حماس. وكان الاتفاق قد أثار آمالا في وضع حد للقتال وتهيئة الظروف أمام استعادة الحد الأدنى من الاستقرار، إلا أن استمرار الهجمات المتفرقة أظهر أن الهدوء الميداني لا يزال هشا.
وفي المقابل، تقول إسرائيل إن ضرباتها تأتي ردا على خروقات للاتفاق وتهديدات تستهدف قواتها، بينما تتواصل الخسائر البشرية في الجانب الفلسطيني. ويعكس هذا التباين في المواقف صعوبة تثبيت وقف إطلاق النار وتحويله إلى مسار مستقر، في ظل استمرار التوترات والاتهامات المتبادلة بشأن الالتزام ببنود الاتفاق.
وتتجاوز تداعيات هذه التطورات حصيلة القتلى والجرحى، لتشمل الأوضاع الإنسانية والنفسية للسكان الذين يواجهون حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل الهدنة. فبعد شهور من الحرب والدمار والنزوح، لا تزال عائلات فلسطينية كثيرة تعيش تحت ضغط المخاوف الأمنية، بينما تظل قدرة المؤسسات الصحية والخدمات الأساسية على تلبية الاحتياجات مرتبطة بتوفر الموارد واستمرار وصول المساعدات.
وفي هذا السياق، تبرز حماية المدنيين، ولا سيما الأطفال، باعتبارها من أبرز التحديات المطروحة مع استمرار الهجمات. كما تزداد أهمية توفير العلاج للمصابين وضمان قدرة المستشفيات على استقبال الحالات الطارئة، في وقت يحتاج فيه القطاع إلى جهود إنسانية متواصلة لتخفيف آثار الحرب وتحسين ظروف العيش.
وبحسب الأرقام المعلنة من وزارة الصحة في غزة، تجاوز عدد الفلسطينيين الذين قتلوا منذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 ألفا و481 شخصا، فيما ارتفع إجمالي القتلى منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 إلى نحو 74 ألفا و370 شخصا. وتكشف هذه الأرقام عن استمرار الخسائر البشرية على نطاق واسع، رغم الإعلان عن الهدنة والآمال التي رافقتها بإنهاء المواجهات.
ومع تجدد الغارات الإسرائيلية وسقوط ضحايا جدد في مدينة غزة، يعود مستقبل وقف إطلاق النار إلى دائرة التساؤلات، خصوصا في ظل استمرار العمليات العسكرية وتفاقم الاحتياجات الصحية والإنسانية. وبين المخاوف الأمنية ونقص العلاج، يظل المدنيون الأكثر عرضة لتبعات التصعيد، فيما تبقى حماية الأرواح وتوفير الرعاية الطبية وتثبيت التهدئة من أبرز التحديات التي تواجه القطاع خلال المرحلة المقبلة.







