منال الهداوي
نجا ثلاثة سياح أجانب من حادث خطير كاد أن ينتهي بفاجعة إنسانية بإقليم زاكورة، بعدما جرفت السيول القوية سيارتهم بمنطقة أيت ساون، مساء الجمعة، إثر محاولتهم عبور أحد الممرات المائية التي ارتفع منسوب مياهها بشكل كبير نتيجة التساقطات الرعدية الغزيرة التي شهدتها المنطقة. وأعاد هذا الحادث تسليط الضوء على المخاطر التي تشكلها الأودية والشعاب خلال فترات التقلبات الجوية، خصوصا في المناطق الجنوبية الشرقية من المملكة، حيث يمكن للتدفقات المائية المفاجئة أن تحول مسارات العبور العادية إلى نقاط شديدة الخطورة.
وكادت هذه المغامرة أن تتحول إلى مأساة حقيقية لولا تمكن المعنيين بالأمر من النجاة في اللحظات الأخيرة، بعدما فقدت السيارة قدرتها على مقاومة قوة المياه المتدفقة. وتكشف الواقعة عن حجم المخاطر التي قد تنتج عن الاستهانة بالتحذيرات المرتبطة بالأحوال الجوية، خاصة عندما يتعلق الأمر بعبور الممرات التي تخترقها السيول خلال فترات الأمطار القوية.
وتعود تفاصيل الحادث إلى مساء الجمعة، حين حاول السياح الثلاثة المرور عبر قنطرة بمنطقة أيت ساون، رغم الارتفاع الملحوظ في منسوب المياه المحيطة بها. ومع قوة التدفقات المائية، جرفت السيول السيارة بسرعة، لتجد المجموعة نفسها في وضع بالغ الخطورة، في مشهد يعكس التحول المفاجئ الذي يمكن أن تعرفه الأودية والشعاب في غضون وقت قصير.
وفي مثل هذه الظروف، لا تكون المخاطر مرتبطة فقط بحجم التساقطات المطرية التي تشهدها المنطقة، بل كذلك بسرعة تشكل السيول وقوة اندفاعها، إذ قد تتحول الشعاب التي تبدو قابلة للعبور في الظروف العادية إلى مجار مائية خطيرة يصعب تقدير عمقها أو قوة تيارها. كما أن محاولة اجتياز هذه المسارات بالسيارات قد تؤدي إلى فقدان السيطرة على المركبة وجرفها بعيدا عن نقطة العبور، حتى عندما يعتقد السائق أن المرور ممكن.
إقرأ أيضا : السياحة-الجبلية-بالمغرب-تتحول-
وأثار الحادث مجددا مسألة المسؤولية الفردية في التعامل مع التحذيرات الجوية، خصوصا في المناطق التي تعرف تساقطات رعدية مفاجئة. فقرار عبور واد أو قنطرة تغمرها المياه لا يتعلق فقط بتقدير السائق لمهاراته في القيادة أو لقوة السيارة، بل يرتبط بعوامل طبيعية يصعب التحكم فيها، من بينها سرعة التيار وعمق المياه وطبيعة الأرض التي تمر فوقها السيول.
وفي سياق متصل، استنفرت السلطات المحلية والإقليمية بأقاليم زاكورة وورزازات وتنغير جهودها التحذيرية، داعية المواطنين ومستعملي الطريق والسياح إلى توخي الحذر الشديد، وعدم المجازفة بعبور الأودية والشعاب خلال فترات الأمطار والعواصف الرعدية. كما شددت على ضرورة احترام علامات التشوير والتعليمات الصادرة عن الجهات المختصة، تفاديا لوقوع حوادث قد تهدد حياة الأشخاص وتعرض الممتلكات لخسائر جسيمة.
وتكتسي هذه التحذيرات أهمية خاصة بالنظر إلى الخصائص الجغرافية للجنوب الشرقي المغربي، حيث تتخلل عدد من المناطق مسارات مائية وأودية قد تعرف ارتفاعا سريعا في منسوب المياه عند هطول الأمطار الغزيرة. وقد لا تكون التساقطات قوية في المكان الذي يوجد فيه السائق نفسه، بينما تتدفق المياه القادمة من مناطق أخرى نحو الممرات المنخفضة، الأمر الذي يجعل تقدير مستوى الخطر بالاعتماد على المشاهدة المباشرة وحدها أمرا غير كاف.
ومن هنا، تبرز أهمية التعامل بجدية مع النشرات والتحذيرات الجوية، وعدم الانطلاق في رحلات عبر المسالك المعرضة للفيضانات دون التأكد من سلامة الطريق. كما يستدعي الأمر تجنب التوقف بالقرب من المجاري المائية أو محاولة اختبار عمق المياه بالسيارة، لأن قوة التيار قد تكون أكبر مما يبدو للعين، وقد تتغير الظروف خلال دقائق قليلة.
ولا تقتصر مسؤولية الوقاية من هذه الحوادث على السلطات وحدها، بل تشمل أيضا السائقين والساكنة المحلية وزوار المناطق السياحية، الذين يتعين عليهم الالتزام بالتوجيهات الميدانية وعدم تجاوز الحواجز أو تجاهل علامات المنع. ويكتسي هذا الجانب أهمية إضافية بالنسبة إلى السياح غير المعتادين على طبيعة المنطقة ومسالكها، إذ قد لا يكونون على دراية كافية بسرعة تغير الظروف المناخية ومخاطر السيول المفاجئة.
كما يفرض الحادث ضرورة تعزيز ثقافة السلامة لدى مستعملي الطرق والمسالك القروية، من خلال التوعية بمخاطر عبور الأودية أثناء الفيضانات، والتشديد على أن الوصول إلى الوجهة المحددة لا ينبغي أن يكون على حساب سلامة الأرواح. فالتأخر عن موعد أو تغيير المسار يظل خيارا أقل كلفة بكثير من المخاطرة بمواجهة مياه جارفة لا يمكن التنبؤ بسلوكها.
وفي ظل استمرار التقلبات الجوية التي قد تعرفها مناطق الجنوب الشرقي، تظل اليقظة والالتزام بالتعليمات الوقائية من أهم الوسائل للحد من الحوادث المرتبطة بالفيضانات. وتؤكد نجاة السياح الثلاثة من حادث زاكورة أن تفادي الأسوأ لا يلغي خطورة السلوك الذي أدى إلى الواقعة، بل يجعل من الضروري استخلاص الدروس واتخاذ قرارات أكثر حذرا عند مواجهة الظروف الجوية الاستثنائية.
وبينما انتهى الحادث دون تحول إلى مأساة جماعية، فإن الواقعة تشكل تذكيرا جديدا بضرورة عدم الاستهانة بالسيول، مهما بدت المسافة قصيرة أو بدا العبور ممكنا. فالطبيعة قد تغير المشهد في لحظات، وأي مغامرة غير محسوبة وسط المياه المتدفقة يمكن أن تضع حياة الأشخاص أمام خطر حقيقي.







