سياسة

حماية التراث المغربي.. الأمن الوطني والمتاحف يواجهان السرقة والتزوير

16:47 · 14/10/2026

منال الهداوي

عزز المغرب جهوده الرامية إلى حماية تراثه الثقافي والحضاري من خلال إطلاق شراكة مؤسساتية تجمع المديرية العامة للأمن الوطني والمؤسسة الوطنية للمتاحف، في خطوة تستهدف التصدي لجرائم سرقة القطع الأثرية وتزييف الأعمال الفنية والاتجار غير المشروع في الممتلكات ذات القيمة التاريخية. وتعكس هذه المبادرة توجها نحو إرساء تعاون أكثر تكاملا بين الأجهزة الأمنية والمؤسسات الثقافية، بما يضمن صون الذاكرة الوطنية وحماية الكنوز التي تختزن جانبا مهما من تاريخ المملكة وهويتها الحضارية.

وجرى، يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، بمقر المديرية العامة للأمن الوطني في الرباط، توقيع اتفاقية شراكة وتعاون أشرف عليها المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني عبد اللطيف حموشي، ورئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف مهدي قطبي. وتهدف هذه الخطوة إلى تطوير آليات التنسيق بين الطرفين، وتعزيز التدابير الوقائية والأمنية الموجهة لحماية المتاحف الوطنية والمجموعات الأثرية والفنية من مختلف التهديدات المحتملة.

وتأتي هذه المبادرة في سياق تزايد أهمية حماية الممتلكات الثقافية باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الرصيد التاريخي للمجتمعات، إذ لم تعد صيانة التراث تقتصر على ترميم المعالم وحفظ القطع داخل فضاءات العرض، بل أصبحت تشمل أيضا مكافحة الشبكات التي تستهدف الاستيلاء على التحف وتهريبها وترويجها بطرق غير قانونية. ومن هذا المنطلق، تسعى الاتفاقية إلى إرساء مقاربة مشتركة تجمع بين اليقظة الأمنية والخبرة المتحفية، وتمنح حماية التراث بعدا مؤسساتيا أكثر شمولا.

وتركز الشراكة الجديدة على تطوير التعاون في مجال رصد الجرائم التي تستهدف الموروث الثقافي المغربي والوقاية منها ومكافحتها، مع إيلاء اهتمام خاص لعمليات تزوير الأعمال الأثرية والفنية والاتجار غير المشروع بها. ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة، بالنظر إلى أن القطع التاريخية لا تمثل مجرد مقتنيات مادية، وإنما تحمل قيمة علمية وفنية ورمزية، كما تشكل شواهد حية على التحولات الحضارية التي عرفتها المملكة عبر مختلف مراحل تاريخها.

إقرأ أيضا : الأمن-الوطني-يرفع-جاهزية-الناظور-بفرق

وفي السياق ذاته، تتضمن الاتفاقية تدابير تروم تعزيز الأمن المادي للمتاحف والمؤسسات الوطنية، من خلال وضع آليات تنظيمية تساعد على تحسين شروط الحماية والتأمين. كما تشمل توفير المواكبة الأمنية اللازمة لعمليات نقل الآثار والممتلكات ذات القيمة التاريخية، وهي عمليات تتطلب احتياطات دقيقة بالنظر إلى طبيعة القطع المنقولة وقيمتها، فضلا عن المخاطر التي قد تواجهها خلال انتقالها بين المؤسسات أو فضاءات العرض والحفظ.

ولا تقتصر أهمية هذه الإجراءات على حماية المجموعات المتحفية من السرقة أو التلف، بل تمتد إلى ضمان استمرارية حفظها وإتاحتها للأجيال المقبلة. فكل قطعة أثرية يتم الحفاظ عليها تمثل جزءا من الذاكرة الجماعية، وكل عمل فني تتم حمايته من التزوير أو التهريب يساهم في صيانة رصيد ثقافي لا يمكن تعويضه بسهولة في حال فقدانه.

ومن جهة أخرى، تفتح الاتفاقية المجال أمام تبادل الخبرات والتجارب بين المصالح الأمنية والأطر المتخصصة في تدبير المتاحف وحفظ المقتنيات التاريخية. ويرتبط هذا التعاون بتعزيز التكوين المستمر وتطوير القدرات المهنية في مجال التعامل مع الأعمال الفنية والأثرية، إلى جانب التعرف على الأساليب التي قد تعتمدها الجهات المتورطة في تزوير القطع التاريخية أو تهريبها أو تسويقها خارج القنوات القانونية.

ويشكل هذا الجانب عنصرا أساسيا في مواجهة الجرائم المرتبطة بالتراث، بالنظر إلى ما تتطلبه من معرفة دقيقة بطبيعة القطع الأثرية وخصائصها ومؤشرات أصالتها، فضلا عن القدرة على رصد الممارسات المشبوهة المرتبطة بتداولها. ومن شأن تقاسم المعارف بين الطرفين أن يدعم تطوير أساليب العمل، ويساعد على تحسين التنسيق عند التعامل مع القضايا التي تستدعي تدخلا أمنيا وخبرة ثقافية متخصصة في الوقت نفسه.

وبموازاة ذلك، تمنح الاتفاقية اهتماما خاصا بتعزيز متحف الأمن الوطني، من خلال التزام المؤسسة الوطنية للمتاحف بتقديم الدعم التقني والمواكبة اللازمة لإغناء محتوياته وتطوير تجربته المتحفية. ويهدف هذا التعاون إلى المساهمة في حفظ الذاكرة الأمنية والمؤسساتية للمملكة، وتثمين المحطات التي طبعت تطور العمل الأمني، بما يتيح التعريف بهذا الجانب من التاريخ الوطني داخل فضاء مخصص لحفظ الذاكرة وعرضها.

كما يبرز هذا التوجه أهمية المتاحف باعتبارها مؤسسات تؤدي أدوارا تتجاوز عرض القطع والمقتنيات، لتشمل التوثيق والتعريف بالتاريخ ونقل المعرفة إلى الجمهور. ويتيح تطوير متحف الأمن الوطني فرصة لتعزيز حضور الذاكرة المؤسساتية ضمن المشهد الثقافي، وربط الأجيال الجديدة بالمراحل التي شهدتها المؤسسات الوطنية في مسار تطورها.

وخلال مراسم توقيع الاتفاقية، شدد الطرفان على أهمية التكامل بين المهام الأمنية والوظائف الثقافية في حماية التراث المادي والتاريخي للمغرب، انطلاقا من اعتبار صون الذاكرة الوطنية مسؤولية مشتركة تتطلب تنسيقا مستمرا بين مختلف المؤسسات المعنية. ويعكس هذا التوجه وعيا متزايدا بضرورة التعامل مع الممتلكات الثقافية باعتبارها رصيدا وطنيا يستحق الحماية والتثمين، بالنظر إلى ارتباطه بالهوية المغربية وامتداداتها التاريخية والحضارية.

وتمنح هذه الشراكة حماية التراث المغربي أفقا جديدا يقوم على الجمع بين الوقاية والتأمين والتكوين وتبادل الخبرات، مع توسيع مجالات التعاون لتشمل المؤسسات المتحفية والذاكرة الأمنية. كما تبرز أهمية بناء آليات عمل مشتركة قادرة على التعامل مع المخاطر التي تستهدف الآثار والأعمال الفنية، بما يدعم جهود الحفاظ على المجموعات الوطنية ويعزز مكانة المتاحف في صيانة التاريخ ونقله.

وفي المحصلة، تمثل الاتفاقية الموقعة بين المديرية العامة للأمن الوطني والمؤسسة الوطنية للمتاحف خطوة لتعزيز حماية التراث المغربي من السرقة والتزوير والاتجار غير المشروع، وترسيخ التعاون بين القطاعين الأمني والثقافي. ويظل نجاح هذا التوجه مرتبطا بفعالية التنسيق وتطوير الخبرات والحرص على تطبيق التدابير الوقائية، بما يضمن حماية الموروث الحضاري للمملكة وصون ذاكرته لفائدة الأجيال الحالية والمستقبلية.