علوم و تكنولوجيا

محمد الشرقاوي.. دراسة مغربية تعود إلى الواجهة مع نوبل الكيمياء

17:05 · 14/10/2026

منال الهداوي

أعاد الاهتمام العالمي بأبحاث الكيمياء غير المتماثلة تسليط الضوء على تجربة الباحث المغربي محمد بن العربي الشرقاوي، بعد تداول نتائج دراسة علمية شارك في إعدادها قبل أكثر من ثلاثة عقود، تناولت تطوير محفزات كيميائية قادرة على التحكم في البنية الفراغية للجزيئات. ويعيد هذا الاهتمام طرح أسئلة حول قيمة الأبحاث العلمية المنشورة منذ سنوات طويلة، وقدرتها على البقاء حاضرة في النقاش الأكاديمي كلما شهد المجال الذي تنتمي إليه تطورات جديدة.

وتبرز أهمية هذه الدراسة، التي أنجزها الشرقاوي بالاشتراك مع الباحث جمال الدين سنة 1995، في ارتباطها بأحد المسارات الدقيقة في الكيمياء العضوية، والمتمثل في توجيه التفاعلات نحو إنتاج شكل معين من الجزيئات بدل الحصول على خليط من أشكال مختلفة. وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة في الصناعات الدوائية والكيميائية، حيث يمكن لاختلاف الترتيب الفراغي للذرات داخل المركب الواحد أن يؤدي إلى اختلافات في خصائصه وفعاليته.

ويأتي تجدد الاهتمام بالبحث المغربي في سياق التطورات التي عرفتها الكيمياء غير المتماثلة، وهو المجال الذي ارتبط اسمه بأعمال علمية حول آليات التحفيز وانتقائية التفاعلات. غير أن التقاطع بين موضوع الدراسة المغربية وهذه الأبحاث لا يعني بالضرورة وجود علاقة مباشرة بينهما، بل يبرز أهمية الإشكالات العلمية المشتركة التي اشتغل عليها الباحثون في فترات مختلفة.

ركزت الدراسة التي نشرها محمد بن العربي الشرقاوي وجمال الدين سنة 1995 على تحضير مشتقات من أملاح الهيدرازونيوم الكيرالية، واختبار قدرتها على أداء دور المحفزات في تفاعلات ألكلة الإيمينات. واستهدف هذا العمل تطوير وسائل كيميائية تساعد على التحكم في النتيجة الفراغية للتفاعل، بما يسمح بتفضيل إنتاج أحد الشكلين المرآتيين للجزيء على الآخر.

وتعتمد هذه المقاربة على مفهوم الكيرالية، الذي يشير إلى وجود جزيئات تتشابه في تركيبها الكيميائي، لكنها تختلف في ترتيبها الفراغي بطريقة تجعل أحد الشكلين صورة مرآة للآخر، من دون إمكانية مطابقتهما تماما. ويشبه ذلك، من الناحية التصورية، العلاقة بين اليد اليمنى واليد اليسرى، إذ تتشابهان في البنية العامة لكنهما لا تتطابقان عند وضع إحداهما فوق الأخرى.

وتزداد أهمية هذه الخاصية عندما يتعلق الأمر بتطوير مركبات كيميائية موجهة للاستعمالات الصناعية أو الدوائية، لأن اختلاف البنية الفراغية قد يغير طريقة تفاعل المركب مع الأنظمة البيولوجية. ولهذا يسعى الكيميائيون إلى ابتكار محفزات تسمح بإنتاج الشكل المرغوب بكفاءة أكبر، مع تقليل الهدر وتحسين مردودية التفاعلات.

ووفقا للنتائج الواردة في ملخص الدراسة، تمكن الباحثان من تحضير أمينات أولية كيرالية بمردود كيميائي جيد، مع تسجيل فائض إنانيومري بلغ 94 في المائة، باستعمال نسبة محدودة من المحفز تراوحت بين 2 و5 في المائة. ويعبر هذا المؤشر عن مقدار تفوق أحد الشكلين المرآتيين على الآخر في الناتج النهائي، ويشكل أداة مهمة لتقييم مدى نجاح التفاعل في تحقيق الانتقائية المطلوبة.

إقرأ أيضا : أكتوبر-1833-ألفريد-نوبل

ولا تقتصر قيمة هذه النتائج على الأرقام المسجلة، بل تمتد إلى المنهج العلمي الذي تقوم عليه، والمتمثل في البحث عن وسائل تسمح بتوجيه التفاعلات الكيميائية بدقة أكبر. فكلما تحسنت قدرة الباحث على التحكم في البنية النهائية للمركب، ازدادت فرص تطوير عمليات إنتاج أكثر كفاءة، خصوصا عندما تكون خصائص المادة الناتجة مرتبطة بترتيب ذراتها في الفضاء.

تتقاطع موضوعات البحث في الكيمياء غير المتماثلة عند محاولة فهم الأسباب التي تجعل التفاعل ينتج أحد الشكلين المرآتيين بكميات أكبر من الآخر. وقد شكلت هذه المسألة محور اهتمام علمي واسع، نظرا إلى صعوبتها وإلى التطبيقات التي يمكن أن تترتب على إيجاد حلول أكثر دقة لها.

وفي هذا السياق، تناولت أبحاث العالم الفرنسي هنري بي. كاغان التأثيرات غير الخطية في التحفيز غير المتماثل، وهي ظواهر يمكن أن تجعل مستوى الانتقائية في التفاعل مختلفا عن النسبة التي توحي بها تركيبة المحفز المستخدم. ويعني ذلك أن العلاقة بين مكونات النظام الكيميائي والنتائج التي ينتجها قد تكون أكثر تعقيدا من مجرد تناسب مباشر بين النسب الأولية والناتج النهائي.

أما العالم الياباني كنزو سواي، فقد ارتبطت أبحاثه بظاهرة التحفيز الذاتي، التي يستطيع فيها ناتج التفاعل المساهمة في تسريع إنتاج جزيئات أخرى تمتلك البنية الفراغية نفسها. ويمكن لهذه الآلية أن تضخم فروقا أولية محدودة بين الشكلين المرآتيين، بما يساعد على تفسير كيفية ظهور غلبة واضحة لأحدهما في ظروف معينة.

وتلتقي هذه المسارات البحثية مع الدراسة المغربية عند الاهتمام بالتحكم في الانتقائية الفراغية وفهم العوامل المؤثرة فيها، لكنها تختلف من حيث التفاعلات المدروسة والمقاربات العلمية المعتمدة. لذلك ينبغي التمييز بين التشابه في الموضوع العام وبين إثبات التأثير المباشر أو المساهمة المحددة في اكتشاف علمي آخر.

لم يحصر محمد بن العربي الشرقاوي مساره المهني في البحث الكيميائي، بل انتقل بعد حصوله على الدكتوراه إلى العمل بوزارة الداخلية، حيث تولى عددا من المسؤوليات والمناصب الإدارية. ويعكس هذا التحول انتقالا من الاشتغال داخل المختبرات والفضاء الأكاديمي إلى ممارسة مهام مرتبطة بالتدبير العمومي والشأن الإداري.

وبالتوازي مع تجربته المهنية، واصل الشرقاوي مساره الدراسي، إذ حصل سنة 2007 على ماستر متخصص في تدبير المرافق العمومية، في إطار تكوين جمع بين المعارف الإدارية ومقاربات تسيير المؤسسات والخدمات العامة. ويبرز هذا المسار تنوع اهتماماته العلمية والمهنية، وعدم اقتصارها على مجال تخصصه الأول.

غير أن التحول الأبرز في مسيرته الأكاديمية جاء سنة 2018، عندما عاد إلى البحث الجامعي من بوابة العلوم الإنسانية، من خلال إعداد أطروحة دكتوراه ثانية تناولت تاريخ التصوف بمدينة أبي الجعد، مع التركيز على الزاوية الشرقاوية وأدوارها التاريخية والاجتماعية.

ويكشف هذا الانتقال عن مسار معرفي يجمع بين العلوم الدقيقة ودراسة التاريخ الديني والاجتماعي. فبعد الاشتغال على التفاعلات الكيميائية وآليات التحكم في البنية الفراغية للجزيئات، اتجه الشرقاوي إلى دراسة التحولات التاريخية ومكانة المؤسسات الصوفية في المجتمع المحلي، بما تحمله من أبعاد ثقافية وروحية واجتماعية.

يرتبط الجانب الأكاديمي المتأخر من تجربة الشرقاوي بمدينة أبي الجعد وتراثها الصوفي، حيث يتولى حاليا مشيخة الزاوية الشرقاوية. وتلتقي هذه المسؤولية مع اهتمامه بتاريخ التصوف، الذي اختاره موضوعا لأطروحته الثانية، في مسار يجمع بين المعرفة الأكاديمية والارتباط بالمؤسسة ذات الحضور التاريخي والاجتماعي.

ويمنح هذا الجانب من سيرته بعدا إضافيا للاهتمام المتجدد بدراسته الكيميائية القديمة، إذ لا يتعلق الأمر بباحث ظل محصورا في تخصص علمي واحد، بل بشخص انتقل بين مجالات معرفية ومهنية مختلفة. ومع ذلك، تبقى لكل تجربة سياقها الخاص، ولا ينبغي الخلط بين القيمة العلمية للدراسة الكيميائية وبين المسؤوليات التي اضطلع بها لاحقا.

وتؤكد عودة دراسة منشورة سنة 1995 إلى دائرة الاهتمام أن الأبحاث العلمية لا تفقد قيمتها لمجرد مرور الزمن، خصوصا عندما تتناول أسئلة أساسية تظل حاضرة في تطور التخصصات العلمية. فقد تصبح نتائج قديمة موضع قراءة جديدة عندما تتقدم المعرفة أو تظهر تطبيقات تتيح فهم أهميتها بصورة أوسع.

وفي المحصلة، يعيد الاهتمام بالكيمياء غير المتماثلة إبراز جانب من تجربة محمد بن العربي الشرقاوي العلمية، من خلال دراسة سعت إلى تحسين التحكم في التفاعلات الكيميائية وتحقيق انتقائية مرتفعة في إنتاج المركبات الكيرالية. وبين البحث العلمي والتدبير الإداري ودراسة تاريخ التصوف، يقدم مساره صورة متعددة الأبعاد لتجربة مغربية تستحق القراءة في سياقاتها المختلفة، مع الحفاظ على التمييز بين التقاطعات العلمية المثبتة وأي روابط مباشرة لم تثبتها المعطيات المتاحة.