منال الهداوي
لقي شخصان مصرعهما في حادث إطلاق نار استهدف مقهى للشيشة بمدينة إيفري سور سين، الواقعة جنوب العاصمة الفرنسية باريس، في واقعة أعادت إلى الواجهة مخاوف مرتبطة بالعنف المسلح واحتمال تصفية الحسابات بين أشخاص لهم صلات بأوساط إجرامية محلية. وفي الوقت الذي باشرت فيه السلطات المختصة تحقيقاتها لكشف تفاصيل الهجوم، تتواصل التحريات لتحديد هوية جميع المتورطين المحتملين والوقوف على الدوافع الحقيقية وراء هذه الجريمة.
ووقع الحادث خلال ليلة الأحد إلى الاثنين داخل مقهى يحمل اسم “لاتولييه”، حيث تحول المكان إلى مسرح لعملية إطلاق نار أسفرت عن سقوط ضحيتين. وفارق صاحب المقهى الحياة في موقع الحادث متأثرا بالإصابات التي تعرض لها، بينما جرى نقل شخص آخر إلى المستشفى لتلقي العلاج، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة يوم الثلاثاء، متأثرا بجروحه الخطيرة.
وفي السياق ذاته، أصيب حارس المقهى بجروح طفيفة على مستوى إحدى يديه، وفق المعطيات الأولية المرتبطة بالواقعة، في حين لم تتضح بعد جميع تفاصيل اللحظات التي سبقت إطلاق النار أو الكيفية التي نفذ بها المهاجمون عمليتهم. وتعمل الجهات المكلفة بالتحقيق على جمع الأدلة المادية والاستماع إلى الأشخاص الذين قد تساعد إفاداتهم في إعادة تركيب تسلسل الأحداث.
وبالتوازي مع ذلك، عثر المحققون بالقرب من موقع الجريمة على سيارة مسروقة تعرضت للإحراق، وكانت بداخلها قطعة سلاح من نوع كلاشنيكوف، وهو معطى يكتسي أهمية في مسار البحث عن المنفذين المحتملين. ويجري التحقق من طبيعة العلاقة بين السيارة والسلاح المستخدم أو المرتبط بالواقعة، فضلا عن تحديد ما إذا كانت هذه الوسائل قد استعملت في التخطيط للهجوم أو تسهيل عملية الفرار.
إقرأ أيضا : حتجاجات-تلاميذ-فرنس
كما أوقفت الشرطة شخصين يشتبه في ارتباطهما بإحراق السيارة، بعدما عثر بحوزتهما على وعاء يحتوي على البنزين. غير أن توقيفهما لا يعني، في هذه المرحلة، ثبوت مشاركتهما المباشرة في إطلاق النار، إذ لا تزال التحقيقات جارية لتحديد طبيعة الأدوار التي يحتمل أن يكونا قد اضطلعا بها، ومدى ارتباطهما بباقي الأشخاص الذين يجري البحث عنهم.
وتتجه التحريات كذلك نحو فحص فرضية وجود تخطيط مسبق للعملية، خاصة في ظل المعطيات المتداولة بشأن احتمال استهداف صاحب المقهى بشكل مباشر. وتشير روايات إعلامية فرنسية إلى أن الضحية كان معروفا في أوساط إجرامية محلية، وأن الهجوم ربما جاء في إطار تصفية حسابات سابقة، لكن هذه الفرضية لم تحظ إلى الآن بتأكيد رسمي نهائي، ما يجعل تحديد الدافع الحقيقي للجريمة رهينا بنتائج التحقيق.
وفي هذا الإطار، تتداول معلومات بشأن احتمال مشاركة امرأة وشخصين آخرين في تنفيذ العملية، مع استمرار البحث عن مشتبه فيهم يعتقد أنهم غادروا المكان بعد إطلاق النار. وتبقى هذه المعطيات ضمن الفرضيات التي يتعين التحقق منها، في انتظار ما ستسفر عنه الأبحاث القضائية والتقنية التي تروم تحديد هوية المنفذين والكشف عن طريقة إعداد الهجوم وتنفيذه.
ومن جهة أخرى، تبرز واقعة سابقة مرتبطة بصاحب المقهى، إذ نجا من محاولة اغتيال في أبريل 2024، بعدما تمكن من الإفلات من مسلح كان يستهدفه، بحسب المعلومات المتداولة حول القضية. ويعيد هذا التطور السابق طرح تساؤلات بشأن احتمال وجود خلافات ممتدة أو خصومات قديمة، من دون أن يشكل ذلك دليلا قاطعا على ارتباط محاولة الاغتيال السابقة بالهجوم الأخير.
وتكتسي هذه المعطيات أهمية بالنسبة إلى المحققين، الذين يسعون إلى تحديد ما إذا كانت الجريمة الأخيرة حادثا منفصلا أم حلقة ضمن سلسلة من المواجهات المرتبطة بنزاعات إجرامية. كما يتطلب ذلك فحص سجلات الوقائع السابقة، وتحليل الأدلة المتاحة، ومقارنة أساليب التنفيذ المحتملة، إلى جانب التحقق من أي روابط قد تجمع بين الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في التحقيقات.
وفي المقابل، تواصل الشرطة القضائية والفرق الجنائية المختصة في باريس عملها تحت إشراف النيابة العامة، ضمن تحقيق يشمل شبهات القتل ومحاولة القتل في إطار جماعة منظمة، فضلا عن إتلاف ممتلكات باستعمال وسيلة خطيرة، ومخالفات مرتبطة بحيازة الأسلحة وتكوين جماعة إجرامية. وتعكس طبيعة هذه الأبحاث تعدد الجوانب التي يتعين فحصها، من تحديد المسؤوليات الفردية إلى الكشف عن احتمال وجود تنسيق بين عدة أشخاص.
وتشمل الإجراءات المنتظرة تحليل الأدلة التي جرى جمعها بالقرب من المقهى، والتحقق من ظروف العثور على السيارة المحترقة، فضلا عن الاستماع إلى الشهود المحتملين وتتبع مسار المشتبه فيهم. وقد تساعد هذه الخطوات على توضيح كيفية وصول المنفذين إلى المكان، والوسائل التي استخدموها في الهجوم، والطرق التي سلكوها بعد مغادرة موقع الجريمة.
ومع استمرار التحقيقات، تظل الأولوية لتحديد جميع المتورطين المحتملين وكشف الدوافع التي أدت إلى سقوط الضحيتين، مع التمييز بين المعلومات المؤكدة والفرضيات التي لم تثبت بعد. كما ينتظر أن تسهم نتائج الأبحاث في توضيح ما إذا كانت الجريمة مرتبطة بتصفية حسابات إجرامية، أو بخلافات أخرى لم تكشف تفاصيلها حتى الآن.
وتعيد هذه الواقعة تسليط الضوء على خطورة استخدام الأسلحة النارية في النزاعات الإجرامية، وما قد ينجم عنها من خسائر بشرية تطال أشخاصا داخل أماكن يرتادها المواطنون. وبين الأدلة الميدانية والمعلومات الأولية، يبقى الحسم في ملابسات إطلاق النار بمقهى إيفري سور سين مرتبطا بما ستكشف عنه التحقيقات الرسمية خلال المرحلة المقبلة.







