أخبار دولية

التسمم بالرصاص يهدد ملايين الأطفال حول العالم

15:36 · 15/10/2026

منال الهداوي

يضع التسمم بالرصاص صحة ملايين الأطفال حول العالم أمام تحد صحي خطير، في ظل اتساع نطاق التعرض لهذه المادة السامة وصعوبة اكتشاف آثارها في مراحلها الأولى. وفي المغرب، تثير تقديرات تشير إلى احتمال تعرض نحو 1.9 مليون طفل للرصاص مخاوف متزايدة بشأن سلامة البيئة المحيطة بالأطفال، ومدى قدرتها على حمايتهم من مواد قد تترك آثارا طويلة الأمد على نموهم الجسدي والعقلي.

وتزداد خطورة هذا الوضع بسبب إمكانية تعرض الطفل للرصاص دون ظهور علامات واضحة تنبه أسرته إلى وجود مشكلة صحية، إذ قد تستمر بعض الأعراض لفترة طويلة قبل اكتشاف السبب الحقيقي وراءها. كما أن الأضرار المحتملة لا تقتصر على مرحلة الطفولة، بل يمكن أن تمتد إلى مسار التعلم والسلوك والصحة العامة، وهو ما يجعل الوقاية والكشف المبكر من الأولويات الأساسية لحماية الأجيال الصاعدة.

وتعكس هذه المعطيات أهمية التعامل مع التسمم بالرصاص باعتباره قضية صحية وبيئية تتطلب اهتماما مستمرا، خصوصا أن مصادر التعرض قد توجد في أماكن ومنتجات يستخدمها الأطفال أو يلامسونها بصورة يومية، دون أن تدرك الأسر بالضرورة حجم المخاطر المرتبطة بها.

وتكمن إحدى أبرز المشكلات في أن الرصاص معدن سام يمكن أن ينتشر في البيئة نتيجة أنشطة بشرية متعددة، من بينها بعض العمليات الصناعية وإعادة تدوير المواد بطرق غير آمنة، فضلا عن وجوده في أنواع من الطلاء وبعض المنتجات الاستهلاكية. وقد يصل هذا المعدن إلى جسم الإنسان من خلال الابتلاع أو استنشاق الغبار والجزيئات الملوثة، بحسب طبيعة المصدر وظروف التعرض.

إقرأ أيضا : إطفاء-الثلاجات-يهدد-سلامة-الأغذية

وفي هذا السياق، يصبح الأطفال أكثر عرضة للتأثر بمخاطر الرصاص، بالنظر إلى استمرار نمو أدمغتهم وأجهزتهم العصبية، وحاجتهم إلى بيئة سليمة تساعدهم على اكتساب المهارات المعرفية والسلوكية بصورة طبيعية. وقد يؤدي التعرض لهذه المادة إلى اضطرابات في الانتباه والتعلم والسلوك، كما يمكن أن يرتبط بانخفاض القدرات الذهنية ومشكلات صحية أخرى، تبعا لمستوى التعرض ومدته والظروف المحيطة بالطفل.

ولا تتوقف المخاطر عند ذلك، إذ يمكن للرصاص، بعد دخوله الجسم، أن ينتقل عبر الدم إلى أعضاء مختلفة، من بينها الدماغ والكليتان والكبد والعظام. وتكمن صعوبة التعامل مع هذه المادة في أن بعض الأضرار الناتجة عنها قد تكون دائمة، بينما لا يوجد مستوى معروف من التعرض يمكن اعتباره آمنا تماما، الأمر الذي يعزز أهمية منع وصولها إلى الأطفال بدلا من انتظار ظهور الأعراض.

وتشير التقديرات العالمية إلى أن مئات الملايين من الأطفال يعيشون في ظروف قد تعرضهم لمستويات مقلقة من الرصاص. وتثير هذه الأرقام الانتباه إلى اتساع المشكلة، خاصة أن الإصابة لا ترتبط بالضرورة بحوادث تسمم واضحة أو بالتعرض المباشر لمادة معروفة، بل قد تنتج عن احتكاك متكرر بمصادر تلوث يصعب الانتباه إليها في الحياة اليومية.

أما في المغرب، فتكتسب هذه القضية أهمية إضافية مع ورود تقديرات تفيد بأن نحو 1.9 مليون طفل قد يكونون معرضين للرصاص، استنادا إلى معطيات تعود إلى سنة 2025. ولا يعني هذا الرقم أن جميع هؤلاء الأطفال مصابون بالتسمم، لكنه يسلط الضوء على حجم الفئة التي قد تحتاج إلى مزيد من البحث والتقييم، وعلى ضرورة تحديد مصادر التعرض المحتملة بدقة.

وتبرز صعوبة تحديد تلك المصادر باعتبارها إحدى العقبات الأساسية أمام الوقاية الفعالة، إذ لا تزال المعلومات المتاحة بشأن أماكن انتشار الرصاص وطرق وصوله إلى الأطفال غير كافية لرسم صورة شاملة عن حجم المشكلة في مختلف المناطق. ويجعل هذا النقص من الضروري تعزيز الدراسات الميدانية، وتحسين القدرة على قياس مستويات الرصاص في الدم، وربط النتائج بالبيئة التي يعيش فيها الأطفال والمنتجات التي يستخدمونها.

وتكشف بعض الحالات الفردية عن الوجه الإنساني لهذه المشكلة، خصوصا عندما تستمر معاناة الأطفال من التعب والآلام وصعوبات التركيز لسنوات قبل التوصل إلى تشخيص يفسر الأعراض. وقد تواجه الأسر صعوبة في ربط هذه العلامات بالتعرض لمعدن سام، لأنها لا تبدو دائما مرتبطة بالتسمم بصورة مباشرة، وهو ما قد يؤخر التدخل المناسب ويزيد من تعقيد الوضع الصحي.

كما سبق أن سلطت دراسة علمية أجريت في مدينة فاس الضوء على وجود مستويات مرتفعة من الرصاص لدى أطفال، مع تسجيل تفاوت بين مجموعة تقيم بالقرب من منطقة صناعية وأخرى من مناطق مختلفة بالمدينة. وشملت الدراسة 150 طفلا، بينهم 90 طفلا من محيط المنطقة الصناعية عين النقبي و60 طفلا من مناطق أخرى، وأظهرت نتائجها اختلافا في متوسط مستويات الرصاص في الدم بين المجموعتين.

وسجلت الدراسة متوسطا بلغ 71 ميكروغراما في اللتر لدى الأطفال المقيمين بالقرب من المنطقة الصناعية، مقابل 38 ميكروغراما في اللتر لدى المجموعة الثانية. كما رصد الباحثون حالات صنفوها ضمن التسمم بالرصاص لدى 21.1 في المائة من أطفال المجموعة الأولى، إلى جانب اضطرابات بيولوجية شملت فقر الدم وانخفاض مستويات بعض المعادن الضرورية للجسم.

ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذه النتائج ضمن حدودها الزمنية والجغرافية، لأنها تستند إلى بحث أنجز بين يناير 2012 وأبريل 2013، ولا تكفي وحدها لتحديد الوضع الحالي لجميع الأطفال في المغرب. لكنها تبرز أهمية دراسة العلاقة بين الأنشطة الصناعية والظروف البيئية وصحة الأطفال، وتوضح كيف يمكن للبحوث الميدانية أن تساعد في الكشف عن بؤر التعرض المحتملة.

وفي مواجهة هذه المخاطر، تبرز الحاجة إلى اتخاذ تدابير وقائية تشمل مراقبة المنتجات التي قد تحتوي على الرصاص، وتشديد الضوابط المتعلقة بالطلاء والأنشطة الصناعية وإعادة تدوير النفايات، إلى جانب تحسين طرق التخلص من المواد الملوثة. كما يظل نشر الوعي داخل الأسر والمدارس أمرا مهما، خاصة فيما يتعلق بمصادر التعرض المحتملة وأهمية عدم تجاهل الأعراض الصحية المستمرة.

ويشكل تعزيز الفحوص المخبرية خطوة أساسية في هذا المسار، إذ يساعد قياس مستوى الرصاص في الدم على تحديد الحالات التي تحتاج إلى تقييم إضافي، مع ضرورة البحث عن مصدر التلوث والعمل على إزالته. ولا ينبغي أن تقتصر الاستجابة على معالجة الحالات الفردية، بل يجب أن تشمل إجراءات وقائية تقلل احتمال تعرض أطفال آخرين للمادة نفسها.

وفي المحصلة، يفرض احتمال تعرض 1.9 مليون طفل مغربي للرصاص التعامل مع القضية باعتبارها تحديا يتجاوز حدود الطب والعلاج، ليشمل حماية البيئة ومراقبة المنتجات وتطوير آليات الرصد والتوعية. فحماية الأطفال من هذا المعدن السام تبدأ بتحديد مصادر الخطر قبل أن تتحول إلى أضرار يصعب إصلاحها، وتستدعي تنسيقا بين الجهات المعنية بالصحة والبيئة والصناعة والتعليم، حتى تصبح الوقاية جزءا أساسيا من حماية الطفولة وضمان نمو سليم للأجيال المقبلة.