أخبار دولية

الحرس المدني الإسباني يصعد احتجاجه ضد تجاهل مطالبه المهنية

16:10 · 15/10/2026

منال الهداوي

فجّر انسحاب الجمعية الموحدة للحرس المدني الإسباني من اجتماع المجلس العام للجهاز موجة جديدة من التوتر داخل المؤسسة الأمنية، بعدما قررت الهيئة النقابية الاحتجاج على ما اعتبرته تجاهلا متواصلا لمطالب العاملين، خاصة تلك المرتبطة بساعات العمل ونظام المناوبات وتحقيق التوازن بين الحياة المهنية والأسرية. ويعيد هذا التصعيد النقاش حول ظروف اشتغال عناصر الحرس المدني إلى الواجهة، في ظل مطالب متزايدة بتحويل الوعود الإدارية إلى إجراءات ملموسة تنعكس على الحياة اليومية للموظفين.

وجاء هذا القرار خلال اجتماع انعقد يوم الأربعاء، بعدما عبرت الجمعية عن استيائها من طريقة تدبير النقاش حول الملفات المهنية والاجتماعية التي تعتبرها أساسية لتحسين أوضاع منتسبي الجهاز. ولم يكن الانسحاب، وفق موقفها، مجرد خطوة احتجاجية عابرة، بل رسالة واضحة بشأن حجم التباعد القائم بين انتظارات العاملين والنتائج التي أفرزتها اللقاءات المؤسساتية الأخيرة.

وفي هذا السياق، وجهت الجمعية انتقادات إلى المديرة العامة للحرس المدني الإسباني، ميرسيدس غونزاليس، متهمة إياها بعدم الوفاء بالتعهدات السابقة المتعلقة بتحسين ظروف العمل. وترى الهيئة النقابية أن الوعود التي قدمت خلال لقاءات سابقة مع ممثلي الجمعيات المهنية لم تتحول إلى قرارات عملية كافية، الأمر الذي زاد من حالة الاستياء داخل صفوف الموظفين الذين ينتظرون إصلاحات تمس تنظيم وقت العمل والاستقرار الاجتماعي.

كما اعتبرت الجمعية أن استمرار تأجيل معالجة هذه الملفات يضعف الثقة في آليات الحوار المعتمدة داخل المؤسسة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقضايا يومية تؤثر بشكل مباشر على حياة العناصر الأمنية وأسرهم. فتنظيم ساعات العمل وتوزيع المناوبات لا يرتبطان فقط بالجوانب الإدارية، بل يمتدان إلى قدرة الموظفين على تدبير التزاماتهم العائلية والحفاظ على قدر من الاستقرار الشخصي، في ظل طبيعة المهام الأمنية التي تفرض أحيانا العمل وفق جداول زمنية غير منتظمة.
إقرأ أيضا : البرلمان-الإسباني-يرفض-مبادرة-فوكس

ومن جهة أخرى، شددت الهيئة النقابية على أن عناصر الحرس المدني ينبغي أن يستفيدوا من تحسينات مهنية واجتماعية تتناسب مع مسؤولياتهم، وألا يظلوا خارج مسار التطورات التي تعرفها أوضاع العاملين في القطاع العام. وتؤكد الجمعية أن الإنصاف في ظروف العمل يقتضي مراجعة بعض الأنظمة المعمول بها، بما يسمح بتحسين بيئة الاشتغال وتوفير ضمانات أكثر وضوحا بشأن الحقوق المهنية والاجتماعية.

ويبرز ملف المناوبات، على وجه الخصوص، باعتباره أحد أبرز نقاط الخلاف بين الجمعية والإدارة، بالنظر إلى تأثيره على الحياة اليومية للعناصر الأمنية. فالتوزيع غير الملائم لساعات العمل، بحسب الطرح النقابي، قد يزيد من صعوبة التوفيق بين الواجبات المهنية والالتزامات الأسرية، وهو ما يجعل إصلاح الجداول الزمنية وتطوير آليات تنظيم العمل من بين الأولويات التي تطالب الهيئة بإدراجها ضمن القرارات المقبلة.

وفي المقابل، استحضرت الجمعية التطورات التي عرفتها أوضاع القوات المسلحة الإسبانية، بعد إقرار وزارة الدفاع أسبوع عمل من 35 ساعة لفائدتها، إلى جانب تدابير ترمي إلى تسهيل التوفيق بين المسؤوليات المهنية والحياة الأسرية. وترى الهيئة أن هذه الخطوة تفتح باب المقارنة بشأن كيفية التعامل مع مطالب الفئات التي تعمل في قطاعات ذات طبيعة أمنية وعسكرية، وتطرح تساؤلات حول مدى استفادة مختلف الأجهزة من الإصلاحات المرتبطة بتنظيم وقت العمل.

ولا يقتصر هذا النقاش على عدد ساعات العمل وحده، بل يشمل كذلك طبيعة المناوبات، وسبل توزيعها، ومدى مراعاة الظروف الاجتماعية للعاملين عند تحديد جداول الخدمة. فهذه العناصر تشكل، بالنسبة إلى الموظفين، جزءا من منظومة متكاملة لتحسين جودة الحياة المهنية، خصوصا في القطاعات التي تتطلب الاستعداد المستمر والاستجابة لمتطلبات العمل في أوقات مختلفة.

وربطت الجمعية قرار الانسحاب أيضا بما وصفته بالغموض المحيط بتدبير المرحلة الحالية داخل الجهاز، معتبرة أن غياب تقدم واضح في الملفات المطروحة يزيد من صعوبة بناء الثقة بين الإدارة وممثلي العاملين. غير أن هذا الموقف يعكس بالأساس وجهة نظر الهيئة النقابية، التي تطالب بتوضيحات وقرارات أكثر تحديدا بشأن مستقبل الإصلاحات المهنية والاجتماعية.

ويكتسي المجلس العام للحرس المدني أهمية خاصة باعتباره فضاء مؤسساتيا يفترض أن يتيح مناقشة القضايا المرتبطة بالأوضاع المهنية والاقتصادية والاجتماعية للعاملين. ومن هذا المنطلق، ترى الجمعية أن فعالية هذه الآلية لا ينبغي أن تقاس بعدد الاجتماعات المنعقدة، وإنما بمدى قدرتها على الوصول إلى حلول عملية والاستجابة للمطالب التي تطرحها الهيئات الممثلة للموظفين.

ومع استمرار الخلاف، تظل الأنظار موجهة إلى الخطوات التي قد تتخذها الإدارة الإسبانية لاحتواء التوتر وإعادة فتح قنوات الحوار حول الملفات العالقة. فمعالجة مطالب ساعات العمل والمناوبات والتوازن الأسري قد تشكل مدخلا لتخفيف الاحتقان، في حين أن استمرار الخلاف دون نتائج واضحة قد يدفع الملف إلى مزيد من التصعيد النقابي.

وفي المحصلة، يعكس انسحاب الجمعية الموحدة للحرس المدني من الاجتماع اتساع دائرة الجدل حول ظروف العمل داخل الجهاز الأمني الإسباني، ويعيد طرح سؤال الاستجابة للمطالب المهنية في المؤسسات التي ترتبط مهامها بالأمن والخدمة العامة. وبين تمسك الهيئة النقابية بضرورة اتخاذ إجراءات ملموسة وانتظار خطوات إدارية واضحة، يبقى تحسين ظروف اشتغال العناصر الأمنية محور النقاش خلال المرحلة المقبلة.