كوثر بوجوال
سلط التقرير السنوي لمركز توثيق الإسلام السياسي في النمسا الضوء على ما وصفه بمحاولات للتأثير في المحتوى الرقمي المرتبط بجماعة الإخوان وبعض تيارات الإسلام السياسي، متحدثا عن تعديلات طالت صفحات في النسخة الألمانية من موسوعة ويكيبيديا، ومحذرا من أن مثل هذه الممارسات يمكن أن تمتد آثارها إلى محركات البحث وبعض الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
وبحسب ما ورد في التقرير، جرى رصد إزالة مواد ومصادر نقدية من صفحات مرتبطة بالإخوان، إلى جانب إضافة مصادر تقدم الجماعة بصورة أكثر إيجابية، في وقت يؤكد فيه المركز أن المعركة حول المحتوى المتاح مجانا على الإنترنت باتت جزءا من الصراع على تشكيل التصورات العامة.
ولا يقدم التقرير هذه الوقائع باعتبارها دليلا على تحكم جهة واحدة في ويكيبيديا أو أنظمة الذكاء الاصطناعي، وإنما باعتبارها نمطا من محاولات التأثير في مصادر المعرفة الرقمية المفتوحة، وفق تقييم المركز النمساوي.
تعديلات على صفحة الإخوان في ويكيبيديا الألمانية
يركز تقرير النمسا عن الإخوان وويكيبيديا على سجل التعديلات الخاص بعدد من الصفحات في الموسوعة الألمانية.
وبحسب المركز، أظهر تحليل صفحة جماعة الإخوان أن بعض المستخدمين أزالوا في مناسبات متعددة مصادر وفقرات نقدية، وأضافوا بدلا منها مصادر أخرى تقدم صورة مختلفة عن التنظيم.
وأشار التقرير إلى وجود تعديلات مشابهة في صفحات أخرى تتناول أشخاصا ومؤسسات سبق أن وجهت انتقادات إلى الجماعة.
ويستند هذا الطرح إلى تحليل سجلات التحرير العلنية في ويكيبيديا، لكنه لا يعني أن كل تعديل تم على هذه الصفحات يمثل بالضرورة عملا منظما أو موجها من جهة محددة، وهي نقطة تبقى بحاجة إلى إثبات مستقل لكل حالة.
لماذا يربط التقرير ويكيبيديا بالذكاء الاصطناعي؟
ينطلق المركز النمساوي من فكرة أن المحتوى المتاح على الإنترنت بات يدخل بدرجات مختلفة في منظومات البحث والتوليد الآلي للمعلومات.
وأشار التقرير إلى أن نماذج اللغة الكبيرة وروبوتات المحادثة وملخصات البحث المولدة آليا تعتمد على كم كبير من المحتويات المنشورة على الويب، من بينها منصات معرفية مفتوحة مثل ويكيبيديا.
ومن هنا يرى معدو التقرير أن أي محاولة منهجية لتغيير صياغة مواد حساسة أو انتقاء مصادر بعينها يمكن أن تؤثر لاحقا في الطريقة التي تظهر بها المعلومات للمستخدمين عبر محركات البحث أو بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
غير أن هذه العلاقة ليست آلية أو مباشرة في جميع الأنظمة، إذ تختلف مصادر التدريب وآليات الاسترجاع والتحديث من منصة إلى أخرى.
لذلك يبقى التحذير الذي يطرحه التقرير مرتبطا بخطر التأثير في البيئة المعلوماتية التي تعتمد عليها التقنيات الحديثة، وليس بإثبات أن تعديلا محددا على ويكيبيديا أدى فعليا إلى تغيير إجابة نظام بعينه.
التقرير يتحدث عن «تأثير معرفي» منظم
يرى المركز أن بعض الشبكات المرتبطة بالإسلام السياسي أصبحت أكثر وعيا بأهمية الفضاء الرقمي في تشكيل الصورة العامة وصناعة السرديات.
وتحدث التقرير عن استخدام ما وصفه بنقاط نقاش جاهزة وانتقاء انتقائي للمصادر والاستشهاد بنصوص خارج سياقها، بهدف تعزيز روايات معينة داخل فضاءات المعرفة المفتوحة.
كما أشار إلى ما وصفه بـ«العروض التشويهية» وحملات التضليل المعلوماتي التي يمكن أن تعتمد على عرض جانب واحد من الأدلة أو المصادر.
وتظل هذه الاستنتاجات جزءا من تقييم المركز النمساوي لطبيعة النشاط الذي يتابعه، وليست أحكاما قضائية أو تصنيفات قانونية تشمل جميع الأفراد أو المؤسسات المشار إليها.
المؤثرون جزء من المشهد الذي يراقبه المركز
لم يحصر التقرير اهتمامه في ويكيبيديا أو الذكاء الاصطناعي.
فقد تناول كذلك دور بعض المؤثرين الناشطين في الفضاء الناطق بالألمانية، قائلا إنهم يوظفون لغة وثقافة شبابية للوصول إلى فئات أصغر سنا.
وبحسب التقرير، تجمع بعض المضامين بين قضايا الحياة اليومية، مثل الرياضة والتغذية والعمل والعلاقات الشخصية، وبين خطابات سياسية أو دينية يعتبرها المركز معادية للديمقراطية أو تحمل أحيانا مضامين معادية للسامية.
كما تحدث عن تحويل بعض هذه الأنشطة إلى منتجات تجارية تشمل الكتب وبرامج التدريب والملتقيات والخلوات وفعاليات التشبيك.
ويرى المركز أن الجمع بين الهوية الدينية وتحسين الذات والنجاح المهني والمالي يمكن أن يشكل مدخلا لبناء مجتمعات مغلقة أو هياكل موازية.
نشاط رقمي وآخر واقعي
بحسب التقرير، لا تعمل الشبكات التي يتابعها المركز حصرا عبر الإنترنت، بل تجمع بين النشاط الرقمي واللقاءات والفعاليات المباشرة.
وأشار إلى مؤتمرات وتجمعات وشبكات أعمال تقدم فضاءات للتواصل بين أشخاص يتشاركون التوجهات نفسها.
ويرى معدو التقرير أن هذا التداخل بين المنصات الرقمية والأنشطة الواقعية يزيد من قدرة بعض الجماعات على الوصول إلى جماهير جديدة وبناء علاقات تنظيمية أو اجتماعية أكثر استمرارية.
غير أن التقرير يستخدم في عدد من المواضع مصطلحات واسعة مثل «الإسلام السياسي» و«الهياكل الإسلاموية»، وهو ما يقتضي التمييز بين التوجهات الفكرية العامة والانتماء التنظيمي المثبت إلى جماعة بعينها.
النمسا تدعو إلى تعاون أوروبي أوسع
خلص المركز إلى ضرورة تعزيز التعاون داخل النمسا وبين الدول الأوروبية في متابعة الشبكات العابرة للحدود.
وبرر ذلك بأن الأنشطة التي يتحدث عنها لا تتوقف عند حدود دولة واحدة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمحتوى الرقمي والمنصات المفتوحة.
كما تناول التقرير دور جهات حكومية وغير حكومية يعتبرها ذات تأثير جيوسياسي في الفضاء المرتبط بالإسلام السياسي، وتحدث عن انتقال بعض السرديات عبر شبكات مجتمع مدني أوروبية.
وفي هذا السياق، دعا إلى زيادة تبادل المعلومات والخبرات بين المؤسسات المختصة، خصوصا في الملفات التي تجمع بين التطرف الرقمي والتمويل والتأثير الإعلامي.
التحذير الأوسع يتعلق بمصدر المعلومة
يتجاوز جوهر التقرير الجدل حول صفحة بعينها في ويكيبيديا إلى سؤال أكبر يتعلق بمن يملك القدرة على التأثير في المعلومات التي يستهلكها المستخدم يوميا.
فمع توسع الاعتماد على البحث الآلي والمساعدات الرقمية، تزداد أهمية جودة المصادر التي تستند إليها الأنظمة عند تقديم الإجابات أو تلخيص الأحداث.
ويرى المركز النمساوي أن منصات المعرفة المفتوحة قد تتحول إلى ساحة تنافس سياسي وفكري، خصوصا في الموضوعات الحساسة مثل التطرف والدين والسياسة.
لكن التعامل مع هذه المخاطر يظل مرتبطا بالتحقق المستقل من التعديلات والمصادر، وعدم مساواة الخلاف التحريري العادي داخل الموسوعات المفتوحة تلقائيا بحملة منظمة.
وبذلك يفتح تقرير النمسا عن الإخوان وويكيبيديا نقاشا أوسع حول أمن المعرفة الرقمية، في وقت أصبحت فيه جودة المحتوى المنشور على الإنترنت مؤثرة ليس فقط في ما يقرأه المستخدم مباشرة، بل أيضا في البيئة التي تستمد منها محركات البحث وأنظمة الذكاء الاصطناعي جزءا من معلوماتها.









التعليقات
0 تعليق