هجر إمغري
تحولت جولة انتخابية بإقليم جرسيف إلى موقف غير متوقع، بعدما وجد المرشح أحمد الصبار، الذي يخوض الاستحقاقات البرلمانية الحالية عن حزب الجبهة الديمقراطية، نفسه عالقا رفقة أحد أصدقائه داخل طريق وعرة تربط بين تانديت ودوار أيت مقبل، في منطقة تعاني بدورها من ضعف واضح في شبكة الاتصالات، الأمر الذي صعب عليه طلب المساعدة في الوقت المناسب.
وكشفت الواقعة، التي بدأت كحادث عرضي خلال تنقل المرشح بين المناطق القروية، عن جانب من الصعوبات التي تواجهها ساكنة عدد من الدواوير بالإقليم، خصوصا تلك التي توجد بعيدا عن المحاور الطرقية الرئيسية، حيث تظل وعورة المسالك وضعف البنية التحتية وصعوبة التواصل الهاتفي من بين أبرز الإكراهات التي تؤثر على الحياة اليومية للسكان.
واضطر أحمد الصبار إلى طلب النجدة بعدما تعذر عليه التواصل بشكل مستقر مع شركة التأمين من أجل إرسال المساعدة، نتيجة غياب الشبكة أو انقطاعها بشكل متكرر في المنطقة التي كان يوجد فيها. ومع استمرار تعذر الاتصال، لجأ المرشح إلى توجيه نداء من أجل الوصول إلى من يمكنه التدخل ومساعدته على مغادرة الطريق.
وأبرز هذا الموقف بشكل عملي حجم الإشكال الذي قد يواجهه أي شخص يعبر بعض المسالك القروية بالإقليم، إذ لا تقتصر صعوبة التنقل على طول الطريق أو حالتها، بل تمتد إلى القدرة على التواصل وطلب المساعدة عند وقوع عطب في السيارة أو حادث أو أي حالة تستدعي تدخلا عاجلا.
وأعاد هذا الحادث كذلك النقاش حول واقع عدد من الدواوير التي ما تزال تواجه تحديات مرتبطة بالعزلة، خصوصا في المناطق التي تحتاج إلى تحسين المسالك والطرق وتوفير بنية تحتية قادرة على ضمان تنقل أكثر سهولة وأمانا. فبالنسبة إلى السكان الذين يعبرون هذه المسارات بشكل يومي، لا يتعلق الأمر بجولة انتخابية عابرة، وإنما بواقع مستمر يفرض عليهم التعامل مع صعوبات الطريق خلال مختلف فصول السنة.
وأظهر تفاعل المواطنين مع الواقعة أن تجربة المرشح لم ينظر إليها البعض باعتبارها مجرد حادث بسيط، بل اعتبرت فرصة لإعادة التذكير بمعاناة يعرفها سكان المناطق القروية منذ سنوات. فقد وجد الصبار نفسه، خلال وقت قصير، أمام تجربة ميدانية جعلته يواجه بشكل مباشر إحدى الإشكالات التي كثيرا ما تكون حاضرة في مطالب سكان الدواوير، وهي صعوبة الوصول والتنقل والتواصل.
وسلطت هذه التجربة الضوء أيضا على الفرق بين الحديث عن مشاكل العالم القروي من خلال اللقاءات والبرامج الانتخابية، وبين معايشتها على أرض الواقع. فعندما يصبح الوصول إلى منطقة معينة مغامرة بسبب وضعية الطريق، وعندما يتحول الاتصال الهاتفي إلى مهمة صعبة، فإن الحديث عن فك العزلة لا يعود مجرد شعار انتخابي، وإنما يصبح مطلبا مرتبطا بشكل مباشر بسلامة السكان وقدرتهم على الوصول إلى الخدمات والمرافق الأساسية.
وتتجاوز مشكلة الطرق والمسالك القروية في مثل هذه الحالات الجانب المرتبط بالتنقل فقط، إذ تؤثر بشكل مباشر على مجموعة من المجالات الأخرى، من بينها الوصول إلى المؤسسات الصحية والتعليمية والإدارية، ونقل المنتجات الفلاحية، وربط السكان بالمراكز الحضرية، فضلا عن سرعة تدخل سيارات الإسعاف والمساعدة في الحالات الاستعجالية.
وتزداد أهمية هذه الملفات بالنسبة إلى الدواوير البعيدة التي تعتمد بشكل كبير على الطرق والمسالك المحلية للوصول إلى المراكز القريبة. وكلما كانت هذه المسالك في وضعية صعبة أو كانت شبكة الاتصالات ضعيفة، ارتفعت كلفة العزلة على السكان، سواء من الناحية الاجتماعية أو الاقتصادية أو حتى على مستوى الإحساس بالأمان أثناء التنقل.
وطرح الموقف الذي عاشه المرشح أحمد الصبار سؤالا سياسيا يتجاوز تفاصيل الواقعة نفسها، ويتعلق بمدى قدرة البرامج الانتخابية والوعود المقدمة خلال الحملات على الانتقال من مستوى الخطاب إلى مستوى الحلول الملموسة. فالمواطن القروي لا يبحث فقط عن زيارات انتخابية موسمية، وإنما ينتظر معالجة الملفات التي تمس حياته اليومية، وفي مقدمتها الطرق والمسالك والماء والكهرباء والاتصالات والنقل والخدمات الصحية والتعليمية.
وأعاد الحادث كذلك وضع ملف التغطية الهاتفية في المناطق القروية ضمن دائرة الاهتمام، بعدما تبين أن ضعف الشبكة يمكن أن يتحول في بعض الظروف إلى مشكلة حقيقية، خاصة عندما يحتاج الشخص إلى طلب النجدة أو التواصل مع خدمات المساعدة. فالهاتف لم يعد وسيلة للاتصال الاجتماعي فقط، بل أصبح جزءا من منظومة الأمان، خصوصا في المناطق النائية التي قد تفصلها مسافات طويلة عن أقرب مركز سكني أو صحي.
وتكشف تجربة الصبار، من زاوية أخرى، أن الاحتكاك المباشر بالمناطق القروية يمكن أن يمنح المرشحين صورة أكثر وضوحا عن طبيعة الملفات التي تنتظر الحل. فالانتقال إلى الدواوير خلال الحملات الانتخابية لا ينبغي أن يرتبط فقط بعرض البرامج واستقطاب الأصوات، وإنما يمكن أن يتحول إلى مناسبة للوقوف على تفاصيل يومية قد لا تظهر من داخل المدن أو خلال اللقاءات الرسمية.
وتضع هذه الواقعة المنتخبين والفاعلين المحليين أمام مسؤولية أكبر في التعامل مع مطالب العالم القروي، خصوصا أن تحسين الطرق وفك العزلة وتعزيز شبكة الاتصالات تعد ملفات ذات ارتباط مباشر بجودة حياة السكان. كما أن معالجة هذه الإشكالات تتطلب تنسيقا بين مختلف المؤسسات والجهات، حتى لا تبقى بعض المناطق رهينة لمسالك صعبة أو تغطية هاتفية غير مستقرة.
وتفرض الاستحقاقات الانتخابية الحالية، في هذا السياق، إعادة طرح سؤال الأولويات داخل البرامج السياسية المحلية، ومدى حضور الدواوير والمناطق القروية في النقاش الانتخابي. فالسكان الذين يعيشون بعيدا عن مراكز المدن يحتاجون إلى حلول قابلة للقياس، تبدأ بتحسين الطرق والمسالك، ولا تنتهي بتقوية الاتصالات وتسهيل الولوج إلى الخدمات.
ويبقى ما وقع خلال الجولة الانتخابية للمرشح أحمد الصبار أكثر من مجرد موقف عابر، لأنه نقل مشكلة العزلة من مستوى الحديث عنها إلى مستوى معايشتها بشكل مباشر. وبينما تمكن المرشح في النهاية من إيصال نداء الاستغاثة، ظلت الواقعة تفتح نقاشا أوسع حول سكان قد لا يجدون دائما الوسيلة السريعة لطلب المساعدة عندما تعترضهم مشكلة في الطريق.
وتكشف هذه الحادثة، في النهاية، أن معاناة الدواوير في جرسيف لا تحتاج فقط إلى أن تحضر في الخطابات الانتخابية، بل تحتاج إلى أن تتحول إلى ملفات عملية بأهداف واضحة وحلول مستمرة. ففك العزلة ليس امتيازا موسميا، وإنما شرط أساسي لتحقيق تنمية متوازنة تضمن لسكان المناطق القروية حقهم في التنقل والتواصل والوصول إلى الخدمات، وتمنحهم شعورا فعليا بأن مناطقهم توجد ضمن صلب أولويات السياسات العمومية.








التعليقات
0 تعليق