إعلان
980×90
مساحة إعلانية
اقتصاد

عجز الحساب الجاري بالمغرب يتضاعف إلى 42 مليار درهم

09:52 · 18/10/2026

منال الهداوي

سجل عجز الحساب الجاري في المغرب ارتفاعا ملحوظا خلال سنة 2025، بعدما انتقل من 19.6 مليار درهم في السنة السابقة إلى 42 مليار درهم، في تطور يعكس اتساع الفجوة بين المبادلات التجارية الخارجية وتزايد الحاجة إلى تمويل الاقتصاد الوطني. وجاء هذا الارتفاع بالتزامن مع نمو الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات، رغم تسجيل مؤشرات إيجابية في قطاعات السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج والاستثمارات الأجنبية المباشرة.

وكشفت الأرقام المتعلقة بميزان المدفوعات أن العجز المسجل خلال السنة الماضية يعادل نحو 2.4 في المائة من الناتج الداخلي الخام، مقابل 1.2 في المائة سنة 2024. ويبرز هذا التحول حجم الضغوط التي واجهت الحسابات الخارجية للمملكة، خصوصا في ظل ارتفاع قيمة المشتريات من الخارج، مقابل نمو محدود نسبيا للصادرات. وفي المقابل، ساهمت المداخيل المتأتية من الخدمات والتحويلات المالية والاستثمارات في توفير موارد مهمة من العملة الصعبة، ما ساعد على تخفيف جزء من آثار هذا الاختلال.

ويأتي هذا التطور في وقت ارتفعت فيه الأصول الاحتياطية للمغرب، لتصل إلى 442.9 مليار درهم عند نهاية سنة 2025، بينما سجلت مداخيل السفر مستوى قياسيا بلغ 138.6 مليار درهم. كما ارتفع صافي تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 31.2 مليار درهم، مقابل 17.4 مليار درهم خلال سنة 2024. وتعكس هذه المؤشرات صورة اقتصادية تجمع بين تحسن بعض مصادر العملة الصعبة واستمرار الضغط الناتج عن العجز التجاري.

ويبرز العجز التجاري للسلع باعتباره العامل الأساسي وراء اتساع عجز الحساب الجاري، بعدما ارتفع إلى 311.1 مليار درهم وفق طريقة التقييم المعتمدة في ميزان المدفوعات، مقابل 270.1 مليار درهم سنة 2024، بزيادة بلغت 15.2 في المائة. كما وصل العجز، عند احتساب المبادلات التجارية وفق صيغة أخرى للتقييم، إلى 352.3 مليار درهم، مقارنة مع 304.9 مليارات درهم خلال السنة السابقة.

ويفسر هذا التوسع ارتفاع قيمة الواردات بنسبة 8 في المائة، لتبلغ 822.3 مليار درهم، في مقابل زيادة الصادرات بنسبة 3 في المائة فقط، لتستقر عند 470 مليار درهم. وأدى هذا التفاوت إلى تراجع معدل تغطية الصادرات للواردات من 59.9 في المائة إلى 57.2 في المائة، وهو ما يعني أن مداخيل الصادرات أصبحت تغطي حصة أقل من قيمة السلع التي يستوردها المغرب.

وتكشف هذه الأرقام عن استمرار التحدي المرتبط بتقليص الفجوة التجارية، خاصة مع ارتفاع الطلب على المنتجات المستوردة ومعدات الإنتاج والسلع الاستهلاكية. فكلما توسعت الواردات بوتيرة تفوق نمو الصادرات، ازدادت الحاجة إلى موارد مالية إضافية لتغطية الفرق، وهو ما يجعل تعزيز القدرة التصديرية وتنويع الأسواق الخارجية من بين الملفات الاقتصادية المهمة.

إقرأ أيضا : عجز-الميزانية-يتراجع-بالمغرب-رغم-ضغط

وعلى مستوى الصادرات، سجلت بعض القطاعات نتائج إيجابية، إذ ارتفعت مبيعات الفوسفاط ومشتقاته بنسبة 14.5 في المائة، لتصل إلى 99.7 مليار درهم، كما نمت صادرات قطاع الطيران بنسبة 9.8 في المائة. في المقابل، بقيت صادرات السيارات شبه مستقرة، مع تراجع طفيف بلغ 0.2 في المائة، بينما انخفضت صادرات النسيج والجلد بنسبة 4.6 في المائة، وتراجعت صادرات الإلكترونيات والكهرباء بنسبة 14.5 في المائة.

وتظهر هذه التطورات تفاوتا في أداء القطاعات المصدرة، إذ تمكنت بعض الأنشطة الصناعية من تحقيق نمو في مبيعاتها الخارجية، بينما واجهت قطاعات أخرى صعوبات انعكست على قيمة الصادرات. وفي جانب الواردات، ارتفعت مشتريات معدات التجهيز بنسبة 13.4 في المائة، كما زادت واردات المنتجات الاستهلاكية الجاهزة بنسبة 11.8 في المائة، في حين تراجعت الفاتورة الطاقية بنسبة 5.5 في المائة، وهو انخفاض يخفف جزئيا من الضغط على الميزان التجاري.

وفي مواجهة هذا العجز، شكلت الخدمات أحد أبرز مصادر الدعم للحسابات الخارجية، بعدما سجل ميزانها فائضا قدره 157.7 مليار درهم، بارتفاع بلغ 12.8 في المائة. وجاءت السياحة في مقدمة الأنشطة المساهمة في هذه النتيجة، إذ بلغت مداخيل السفر 138.6 مليار درهم، بزيادة سنوية وصلت إلى 21 في المائة، مقابل نفقات سياحية بلغت 33.2 مليار درهم.

وتصدرت فرنسا قائمة الأسواق المساهمة في مداخيل السفر بقيمة 43 مليار درهم، مسجلة ارتفاعا بنسبة 16.5 في المائة، تلتها إسبانيا بمداخيل بلغت 20.5 مليار درهم، ثم إيطاليا بنحو 10.6 مليارات درهم. وتؤكد هذه الأرقام أهمية النشاط السياحي في توفير العملة الصعبة، خصوصا عندما ينجح القطاع في استقطاب مزيد من الزوار وتعزيز الإنفاق السياحي داخل المملكة.

وبالتوازي مع ذلك، واصلت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج أداء دورها في دعم الموارد المالية، بعدما بلغت 122 مليار درهم خلال سنة 2025، بزيادة نسبتها 2.6 في المائة. كما وصل فائض الدخل الثانوي إلى 136.5 مليار درهم، في حين ارتفع عجز الدخل الأولي بشكل طفيف إلى 25.1 مليار درهم. وتساعد هذه التدفقات على تمويل جزء من حاجيات الاقتصاد، لكنها لا تلغي الحاجة إلى تحسين التوازن بين الصادرات والواردات.

وعلى صعيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ارتفعت المداخيل إلى 60.6 مليار درهم، بزيادة 29.4 في المائة، بينما بلغت النفقات المرتبطة بها 29.3 مليار درهم. ونتيجة لذلك، صعد صافي التدفق إلى 31.2 مليار درهم، مقابل 17.4 مليار درهم سنة 2024، محققا نموا بنسبة 79.6 في المائة.

وتقدمت فرنسا قائمة البلدان المستثمرة في المغرب من حيث صافي التدفقات، بقيمة 10.1 مليارات درهم، تلتها الإمارات العربية المتحدة بنحو 4.4 مليارات درهم، ثم هولندا بما يقارب 2.9 مليار درهم. واستحوذ قطاع العقار والصناعات التحويلية على حصة مهمة من هذه التدفقات، بقيم بلغت 10.1 مليارات درهم و9.8 مليارات درهم على التوالي. وفي المقابل، بلغت الاستثمارات المغربية المباشرة بالخارج 7.6 مليارات درهم، مع توجه أكثر من نصف تدفقاتها الصافية إلى القارة الإفريقية، وتصدر كوت ديفوار قائمة الوجهات بقيمة 3.2 مليارات درهم.

ورغم تحسن تدفقات الاستثمار، سجل الحساب المالي حاجة إلى التمويل بلغت 24 مليار درهم، مقابل 900 مليون درهم فقط سنة 2024. كما تحول رصيد استثمارات الحافظة من فائض قدره مليار درهم إلى عجز بلغ 24.7 مليار درهم، في ظل ارتفاع التدفقات المرتبطة بالالتزامات المالية. وسجلت الاستثمارات الأخرى بدورها عجزا قدره 32.4 مليار درهم، مقابل فائض بلغ 3.7 مليارات درهم في السنة السابقة.

وفي المقابل، ارتفعت الأصول الاحتياطية بمقدار 56.9 مليار درهم نتيجة المعاملات المسجلة خلال السنة، مقارنة بزيادة بلغت 5 مليارات درهم سنة 2024. ويشكل هذا التطور عنصرا مهما في قراءة الوضع الخارجي للمملكة، غير أن تقييم متانة الاحتياطيات يقتضي النظر أيضا إلى الالتزامات الخارجية وحجم الواردات وحاجيات التمويل.

وتعزز هذه الصورة أرقام الوضع الصافي للاستثمار الدولي، الذي سجل رصيدا مدينا بلغ 791.8 مليار درهم في نهاية سنة 2025، مقابل 710.7 مليارات درهم قبل عام، بزيادة نسبتها 11.4 في المائة. ويعني هذا الرصيد أن الالتزامات المالية للمغرب تجاه الخارج، بعد احتساب أصوله الخارجية، تفوق ما يملكه من أصول في الخارج بهذا المقدار.

وشمل هذا الوضع أرصدة مدينة للاستثمارات المباشرة واستثمارات الحافظة والاستثمارات الأخرى، في مقابل أصول احتياطية بلغت 442.9 مليار درهم. كما ارتفع رصيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة داخل المغرب بنسبة 16 في المائة، ليصل إلى 756.9 مليار درهم، فيما بلغ رصيد الدين الخارجي بمعناه الواسع 783.6 مليار درهم، مقابل 725.1 مليار درهم في نهاية السنة السابقة.

وتبرز حصيلة سنة 2025 أن الاقتصاد المغربي يواجه تحديا مزدوجا يتمثل في الحد من اتساع العجز التجاري، مع الحفاظ على تدفقات العملة الصعبة القادمة من السياحة وتحويلات الجالية والاستثمارات الأجنبية. ويظل تحسين تنافسية المنتجات المغربية، وتوسيع قاعدة الصادرات، وتقوية القيمة المضافة للصناعة الوطنية، من المسارات التي يمكن أن تساعد على تخفيف الضغط على الحساب الجاري.

وفي المحصلة، لا تعني زيادة عجز الحساب الجاري وحدها تدهور جميع المؤشرات الاقتصادية، كما لا يكفي ارتفاع الاحتياطيات والاستثمارات للحكم على اختفاء الاختلالات الخارجية. فالصورة الكاملة تتوقف على قدرة الاقتصاد على تحويل الاستثمارات إلى إنتاج وصادرات وفرص عمل، وتقليص الفجوة بين ما يبيعه للخارج وما يشتريه منه، بما يدعم توازنه المالي وقدرته على مواجهة التقلبات الاقتصادية الدولية.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

يرجى الالتزام بأدب الحوار واحترام الآخرين.