كوثر بوجوال
ألغت إدارة معرض بالعاصمة الفرنسية باريس فقرة أزياء كانت من المقرر أن تشرف عليها مصممة جزائرية، عقب تحرك قاده أفراد من الجالية المغربية اعتراضا على ما اعتبروه محاولة لتقديم القفطان المغربي ضمن التراث الجزائري.
وبحسب المعطيات المنشورة بشأن الواقعة، باشر عدد من المغاربة المقيمين في فرنسا اتصالات مباشرة مع الجهة المنظمة للفعالية، وقدموا ملفا يتضمن وثائق قالوا إنها تؤكد الارتباط التاريخي والثقافي للقفطان بالمغرب، مطالبين بعدم تمرير التصاميم محل الاعتراض داخل العرض.
وانتهى التحرك بإلغاء فقرة المصممة الجزائرية، التي نشرت لاحقا توضيحا واعتذارا للمدعوين عبر خاصية «الستوري» في حسابها على «إنستغرام»، مشيرة إلى أن انسحابها جاء لأسباب وصفتها بـ«الشخصية».
تحرك للجالية المغربية يصل إلى إدارة المعرض
انطلقت القضية، وفق المعطيات المتداولة، بعدما انتبه أفراد من الجالية المغربية في فرنسا إلى مضمون العرض المزمع تنظيمه، وما اعتبروه نسبة للقفطان المغربي إلى التراث الجزائري.
وتحرك الكاتب العام لجمعية «مغاربة العالم»، الذي أُشير إليه بالأحرف الأولى «خ.ن»، رفقة عدد من أفراد الجالية، للتواصل مع المسؤولين عن المعرض.
ولم يقتصر التحرك على الاحتجاج عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل اتجه أصحابه إلى مخاطبة الجهة المنظمة بصورة مباشرة، مستندين، بحسب المصدر، إلى وثائق ومراجع مرتبطة بالتراث الثقافي والملكية الفكرية.
ويعكس ذلك انتقال الجدل بشأن القفطان المغربي في فرنسا من النقاش الإلكتروني إلى تدخل ميداني استهدف الجهة التي تحتضن العرض نفسه.
وثائق حول الهوية التراثية للقفطان
قال أصحاب المبادرة إن الملف الذي قدموه إلى منظمي المعرض تضمن وثائق مرتبطة بتسجيلات واعترافات دولية تخص القفطان المغربي وتراثه.
وأشار المصدر إلى الاستناد، ضمن هذا الملف، إلى معطيات مرتبطة بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، إلى جانب وثائق قُدمت باعتبارها ذات صلة بحماية الملكية الفكرية.
غير أن المادة المنشورة لم تعرض نسخ هذه الوثائق أو أرقامها المرجعية بالتفصيل، ما يجعل الأدق التعامل معها باعتبارها مستندات قدمها أصحاب التحرك دعما لموقفهم أمام إدارة المعرض.
وتركز اعتراض الجالية، بحسب المعطيات ذاتها، على رفض أي تقديم للقفطان من شأنه أن يغير نسبته الثقافية أو يخلق التباسا بشأن أصله وهويته التاريخية.
إدارة المعرض تلغي فقرة الأزياء
بعد التواصل مع المحتجين والاطلاع على المعطيات التي قدموها، قررت إدارة المعرض إلغاء الفقرة التي كانت ستشرف عليها المصممة الجزائرية.
وتشير الرواية المنشورة إلى أن القرار شمل منع تقديم التصاميم التي أثارت الاعتراض، فيما استمرت الفعالية بعروض أخرى لأزياء تقليدية لم تكن موضع الخلاف نفسه.
ولا تتضمن المعطيات المتاحة ردا تفصيليا من إدارة المعرض يشرح الأساس القانوني الذي استند إليه قرار الإلغاء، كما لم تنشر الجهة المنظمة، ضمن المادة المتداولة، بيانا موسعا بشأن النزاع.
لكن النتيجة العملية تمثلت في عدم مرور التصاميم محل الاعتراض ضمن البرنامج الأصلي للفعالية.
المصممة تعتذر للمدعوين وتربط الانسحاب بأسباب شخصية
بعد إلغاء مشاركتها، نشرت المصممة المعنية رسالة إلى المدعوين عبر حسابها على «إنستغرام»، قدمت من خلالها توضيحا واعتذارا عن عدم تقديم فقرتها.
ووفق المعطيات المنشورة، بررت المصممة الإلغاء بأسباب «شخصية»، دون الدخول في تفاصيل الجدل الذي سبق قرار إدارة المعرض.
ولا يتضمن المصدر تصريحا مباشرا منها بشأن اتهامها بمحاولة نسبة القفطان إلى التراث الجزائري، لذلك يبقى هذا الاتهام منسوبا إلى أصحاب التحرك المغربي وليس موقفا ثابتا بإقرار من المصممة نفسها.
القفطان يتحول مجددا إلى ملف للهوية الثقافية
أعادت الواقعة النقاش المتكرر بشأن القفطان إلى واجهة الجدل الثقافي بين المغرب والجزائر، خصوصا مع تزايد اهتمام الرأي العام بقضايا تسجيل عناصر التراث وحمايتها وطريقة تقديمها في المهرجانات والمعارض الدولية.
وبالنسبة إلى الجانب المغربي، لا ينظر إلى القفطان باعتباره مجرد لباس تقليدي، بل مكونا من مكونات الهوية الثقافية والصناعة التقليدية التي راكمت حضورها عبر أجيال.
ولهذا أصبحت أي محاولة يُفهم منها تقديمه خارج سياقه المغربي تثير ردود فعل واسعة، سواء من مؤسسات أو باحثين أو جمعيات أو أفراد من الجالية المغربية بالخارج.
معركة التراث تنتقل إلى الفضاءات الدولية
تظهر واقعة باريس أن الجدل حول التراث لم يعد محصورا داخل وسائل التواصل الاجتماعي، بل أصبح يمتد إلى المعارض والفعاليات الثقافية خارج المنطقة المغاربية.
كما تكشف عن دور متزايد للجاليات في متابعة الطريقة التي يقدم بها التراث الوطني في الخارج، واللجوء إلى التواصل المباشر مع الجهات المنظمة عندما تعتبر أن هناك ما يمس نسب عنصر ثقافي معين.
وبين الرواية المغربية التي تعتبر ما حدث دفاعا عن هوية القفطان، وتبرير المصممة انسحابها بأسباب شخصية، انتهت الواقعة في باريس بإلغاء العرض محل الجدل، لتفتح من جديد سؤالا أوسع حول حدود الاقتباس الفني والفصل بين التأثر الثقافي وبين نسبة التراث إلى بلد آخر.








