كوثر بوجوال
قال نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، إن المرحلة السياسية المقبلة لن تكون مرتبطة فقط بمواكبة استعدادات المغرب لتنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى وفي مقدمتها كأس العالم، بل ستكون، وفق تصوره، مرحلة مفصلية في مسار القضية الوطنية، بالنظر إلى ما اعتبره رهانا أساسيا يتمثل في تنزيل الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية.
وجاءت تصريحات بركة خلال مهرجان خطابي انتخابي بمدينة العيون، حيث ربط بين الاستحقاقات التشريعية المقبلة وبين ما وصفه بالتحولات السياسية والاقتصادية الكبرى التي تنتظر الأقاليم الجنوبية، معتبرا أن الحكومة المنبثقة عن انتخابات 23 شتنبر ستكون مطالبة بالتعامل مع ملفات تتجاوز التدبير الحكومي التقليدي إلى أوراش ذات بعد استراتيجي.
بركة يضع الحكم الذاتي في صلب المرحلة المقبلة
شدد الأمين العام لحزب الاستقلال على أن الحكومة المقبلة، من وجهة نظره، لن تكون فقط حكومة تدبير مرحلة تنظيم كأس العالم، بل حكومة سيكون من بين أبرز رهاناتها تنزيل الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية.
واعتبر أن هذا الملف يكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى التطورات التي تعرفها قضية الصحراء المغربية، وما وصفه بتعزيز موقع مقترح الحكم الذاتي باعتباره أساسا للحل السياسي تحت السيادة المغربية.
ربط الاستحقاق الانتخابي بالقضية الوطنية
ربط بركة بين انتخابات 23 شتنبر وبين طبيعة الملفات التي ستكون مطروحة أمام الحكومة المقبلة، مؤكدا أن المرحلة القادمة ستتطلب، بحسب تصوره، استعدادا سياسيا ومؤسساتيا لمواكبة التحولات المرتبطة بالأقاليم الجنوبية.
وقال إن تنزيل الحكم الذاتي ينبغي أن يتم في إطار ثوابت الأمة المغربية، وبما يعزز الوحدة الترابية والوحدة الوطنية، ويفتح في الوقت نفسه آفاقا جديدة أمام الجهات الجنوبية على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وتعكس هذه التصريحات رغبة حزب الاستقلال في جعل قضية الصحراء المغربية واحدة من المحاور المركزية في خطابه الانتخابي، خاصة في الأقاليم الجنوبية التي تشهد خلال السنوات الأخيرة توسعا في المشاريع الاستثمارية والبنيات التحتية.
مشاريع استراتيجية تعيد رسم خريطة الجنوب
إلى جانب البعد السياسي، ركز نزار بركة على ما وصفه بالتحول الاستراتيجي الذي تستعد له الأقاليم الجنوبية، مستعرضا مجموعة من المشاريع التي يرى أنها ستعزز موقع هذه الجهات داخل الاقتصاد الوطني وتدعم ارتباطها بالعمق الإفريقي.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة ستعرف استمرار تنفيذ عدد من الأوراش الكبرى التي بدأت المملكة في تنزيلها خلال السنوات الأخيرة، مع التركيز على البنيات التحتية والنقل والطاقة والماء والاستثمار.
ميناء الداخلة الأطلسي في قلب التحول الاقتصادي
توقف بركة عند مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يمثل أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية بالأقاليم الجنوبية، مؤكدا أنه سيدخل، وفق المعطيات التي استعرضها، مرحلة الاستغلال سنة 2028.
ويُنتظر أن يشكل الميناء رافعة جديدة للتنمية بالجهة، بالنظر إلى موقعه على الواجهة الأطلسية ودوره المرتقب في تعزيز المبادلات التجارية واللوجستية وربط المغرب بشكل أكبر ببلدان غرب إفريقيا.
كما أشار الأمين العام لحزب الاستقلال إلى المناطق الصناعية المرتبطة بالميناء، وما يمكن أن توفره من فرص لاستقطاب الاستثمارات وخلق مناصب الشغل وتطوير الأنشطة الصناعية واللوجستية.
محور الكركرات وموريتانيا يعزز العمق الإفريقي
وفي السياق نفسه، أشار بركة إلى الممر المتجه نحو الكركرات وموريتانيا، باعتباره أحد المحاور التي يمكن أن تعزز دور الأقاليم الجنوبية كبوابة اقتصادية وتجارية نحو القارة الإفريقية.
ويكتسي هذا المحور أهمية في ظل الدينامية المتزايدة التي تعرفها المبادلات بين المغرب وبلدان إفريقيا جنوب الصحراء، إضافة إلى المشاريع الإقليمية التي تراهن عليها المملكة لتقوية التكامل الاقتصادي وتعزيز الربط القاري.
الطاقة المتجددة ورهان السيادة الطاقية
خصص نزار بركة جزءا من مداخلته للحديث عن إمكانات الأقاليم الجنوبية في مجال الطاقة المتجددة، ولاسيما الطاقة الشمسية والريحية والهيدروجين الأخضر.
وأكد أن الاستثمار في هذه القطاعات من شأنه أن يشكل رافعة لتعزيز السيادة الطاقية للمملكة، وتقليص كلفة الطاقة، وتحسين جاذبية الأقاليم الجنوبية للاستثمارات الصناعية الكبرى.
الهيدروجين الأخضر كفرصة استثمارية جديدة
يراهن المغرب خلال السنوات المقبلة على تطوير مشاريع مرتبطة بالهيدروجين الأخضر، بالنظر إلى الإمكانات التي توفرها الطاقات الشمسية والريحية، خاصة في الجهات الجنوبية.
وبركة اعتبر أن هذه الدينامية يمكن أن تتحول إلى مصدر مهم لفرص الشغل والاستثمار، خصوصا بالنسبة للشباب، إذا جرى ربط المشاريع الطاقية بمسارات واضحة للتكوين والتشغيل والتنمية المحلية.
أنبوب الغاز نيجيريا المغرب ضمن الرهانات الكبرى
ومن بين المشاريع التي استحضرها الأمين العام لحزب الاستقلال مشروع أنبوب الغاز نيجيريا المغرب، مشيرا إلى أن مساره سيمر عبر الأقاليم الجنوبية وصولا إلى مدينة العيون.
ويعد المشروع من أبرز الأوراش الطاقية الإقليمية التي يراهن عليها المغرب لتعزيز التكامل مع بلدان غرب إفريقيا وتنويع مصادر الطاقة.
تداعيات اقتصادية منتظرة على الجهات الجنوبية
بحسب رؤية بركة، فإن مرور البنيات المرتبطة بالمشروع عبر الأقاليم الجنوبية يمكن أن يوفر فرصا اقتصادية إضافية، سواء من خلال تطوير البنيات التحتية أو جذب الاستثمارات والأنشطة المرتبطة بالطاقة والصناعة والخدمات.
ويأتي هذا الرهان في سياق أوسع تسعى فيه المملكة إلى تحويل الأقاليم الجنوبية إلى منصة للتعاون الاقتصادي بين المغرب وإفريقيا.
تحلية المياه لدعم الفلاحة والسيادة الغذائية
في الشق الفلاحي، تحدث بركة عن أهمية استخدام المياه المحلاة في دعم الإنتاج الزراعي بالداخلة وبوجدور ومناطق أخرى من الأقاليم الجنوبية.
وأكد أن هذا التوجه من شأنه أن يساهم في تعزيز الإنتاج الفلاحي ودعم السيادة الغذائية، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على الموارد المائية نتيجة توالي سنوات الجفاف والتغيرات المناخية.
الماء في قلب الاستثمارات المستقبلية
أصبحت مشاريع تحلية مياه البحر أحد أهم مكونات السياسة المائية بالمغرب، خاصة بالمناطق التي تعرف ضغطا على الموارد التقليدية.
وفي الأقاليم الجنوبية، يرتبط هذا التوجه أيضا بمشاريع اقتصادية وفلاحية وصناعية، ما يجعل الاستثمار في البنيات المائية عاملا حاسما لضمان استدامة التنمية.
التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يدخلان رهانات الجنوب
أدرج الأمين العام لحزب الاستقلال التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي ضمن القطاعات التي ينبغي أن تستفيد منها الأقاليم الجنوبية خلال المرحلة المقبلة.
وأكد أن التنمية بهذه الجهات لا ينبغي أن تقتصر على المشاريع التقليدية، بل يجب أن تشمل أيضا الاقتصاد الرقمي والقطاعات المرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة.
فرص جديدة للشباب والنساء
يرى بركة أن الاستثمار في الرقمنة والذكاء الاصطناعي يمكن أن يتيح فرصا مهنية جديدة للشباب والنساء، خصوصا إذا جرى ربط هذه التحولات بتكوينات تستجيب لحاجيات سوق الشغل.
ويأتي ذلك في سياق تزايد أهمية الاقتصاد الرقمي في جذب الاستثمارات وخلق أنشطة جديدة لا ترتبط حصرا بالموقع الجغرافي أو القطاعات التقليدية.
أوراش بنية تحتية تعزز جاذبية الأقاليم الجنوبية
استعرض بركة كذلك عددا من المشاريع التي أنجزت أو توجد في طور الإنجاز، من بينها الطريق الرابطة بين تزنيت والداخلة، وجسر الساقية الحمراء، وتجديد قنوات الماء بمدينة العيون، إلى جانب مشروع تحلية مياه البحر.
كما تطرق إلى مشاريع مرتبطة بالمكتب الشريف للفوسفاط وتوسيع ميناء العيون، باعتبارها جزءا من التحولات الاقتصادية التي تعرفها المنطقة.
الأفضلية الجهوية في الصفقات العمومية
وأشار الأمين العام لحزب الاستقلال إلى أهمية اعتماد الأفضلية الجهوية في الصفقات العمومية، بهدف منح المقاولات المحلية فرصا أكبر للاستفادة من المشاريع الكبرى التي تنجز داخل الأقاليم الجنوبية.
ويهدف هذا التوجه، بحسب ما عرضه بركة، إلى ضمان استفادة النسيج الاقتصادي المحلي من الاستثمارات العمومية، وربط الأوراش الكبرى بخلق فرص الشغل ودعم المقاولات الجهوية.
الحكم الذاتي والتنمية في خطاب انتخابي واحد
يكشف خطاب نزار بركة بمدينة العيون عن توجه واضح نحو الجمع بين البعد السياسي للقضية الوطنية وبين الرهانات الاقتصادية والتنموية للأقاليم الجنوبية.
فالحكم الذاتي، كما قدمه الأمين العام لحزب الاستقلال، لا يطرح فقط باعتباره ملفا سياسيا، بل باعتباره أيضا جزءا من تصور أوسع للمرحلة المقبلة، يرتبط بالبنيات التحتية والطاقة والاستثمار والماء والفلاحة والتحول الرقمي والتشغيل.
ومع اقتراب انتخابات 23 شتنبر، يبدو أن ملف الأقاليم الجنوبية سيظل حاضرا بقوة في الخطاب الانتخابي للأحزاب، سواء من زاوية القضية الوطنية أو من خلال التنافس على تقديم تصورات حول التنمية الاقتصادية والاجتماعية وموقع هذه الجهات في مستقبل المملكة.








