كوثر بوجوال
ارتفع عجز ميزانية الدولة بالمغرب إلى 56,9 مليار درهم عند متم شهر غشت 2026، مقابل 54,1 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، في وقت أظهرت فيه أحدث معطيات المالية العمومية استمرار نمو النفقات بوتيرة تفوق تطور المداخيل.
وكشفت النشرة الشهرية لإحصائيات المالية العمومية الصادرة عن الخزينة العامة للمملكة أن العجز المسجل خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة يأخذ في الاعتبار رصيدا إيجابيا للحسابات الخصوصية للخزينة ومرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة بقيمة إجمالية بلغت 16,8 مليار درهم.
وتبرز الأرقام أن تنفيذ الميزانية خلال الفترة الممتدة من يناير إلى غشت 2026 اتسم بتحسن المداخيل، خصوصا ذات الطبيعة الضريبية، غير أن الارتفاع الملحوظ في نفقات التسيير والاستثمار وتحملات الدين ساهم في زيادة مستوى العجز مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
المداخيل العادية تتجاوز 286 مليار درهم
بلغت المداخيل العادية للخزينة 286,6 مليار درهم عند نهاية غشت الماضي، مسجلة نموا بنسبة 5,5 في المائة على أساس سنوي.
وجاء هذا التحسن مدعوما أساسا بارتفاع عدد من الموارد الضريبية، إذ سجلت الضرائب المباشرة زيادة بنسبة 12,7 في المائة، بينما ارتفعت الرسوم الجمركية بنسبة 8,8 في المائة.
وسجلت الضرائب غير المباشرة بدورها نموا بنسبة 8 في المائة، فيما ارتفعت مداخيل رسوم التسجيل والتنبر بنسبة 12,6 في المائة مقارنة بمستوياتها خلال الفترة نفسها من سنة 2025.
وفي الاتجاه المقابل، تراجعت الإيرادات غير الضريبية بنسبة 27,4 في المائة، وهو انخفاض حد من الأثر الإيجابي للنمو المسجل في الموارد الجبائية.
وتوضح هذه المعطيات أن الضرائب واصلت لعب دور رئيسي في دعم مداخيل الدولة خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة، في ظل توسع الموارد المتأتية من عدد من المكونات الجبائية الرئيسية.
النفقات تقفز إلى 397,5 مليار درهم
في المقابل، سجلت النفقات الصادرة برسم الميزانية العامة نموا أسرع من المداخيل، بعدما بلغت 397,5 مليار درهم بنهاية غشت 2026، بارتفاع نسبته 10,4 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
ويرتبط هذا التطور، أساسا، بارتفاع نفقات التسيير بنسبة 13,2 في المائة، إلى جانب نمو نفقات الاستثمار بنسبة 8,2 في المائة.
كما سجلت تحملات الدين المدرجة في الميزانية زيادة بنسبة 3,8 في المائة، ما أضاف ضغطا إضافيا على التوازنات المالية خلال الفترة المعنية.
وتكشف المقارنة بين تطور الموارد والنفقات أن وتيرة زيادة الإنفاق، البالغة 10,4 في المائة، كانت تقارب ضعف وتيرة ارتفاع المداخيل العادية المقدرة بـ5,5 في المائة، وهو ما يفسر جزئيا انتقال العجز من 54,1 مليار درهم إلى 56,9 مليار درهم.
أكثر من 72 مليار درهم لخدمة الدين
أظهرت معطيات الخزينة أيضا ارتفاع المبالغ المرتبطة بخدمة الدين، إذ وصلت تسديدات أصل القروض إلى 37,3 مليار درهم، فيما بلغت فوائد الدين 35 مليار درهم.
وبذلك تتجاوز المبالغ الموجهة إلى أصل القروض وفوائدها مجتمعة 72 مليار درهم خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026.
وسجلت الفترة ذاتها ارتفاعا في استهلاكات الدين الخارجي، مقابل انخفاض استهلاكات الدين الداخلي.
ويعكس تطور هذه الأرقام أهمية بند الدين ضمن تنفيذ الميزانية العامة، بالنظر إلى ما يستنزفه من موارد مالية، سواء عبر تسديد أصل القروض أو أداء الفوائد المستحقة عنها.
609 مليارات درهم من الالتزامات بالنفقات
وعلى مستوى تنفيذ الميزانية، بلغت الالتزامات بالنفقات 609,1 مليار درهم عند متم شهر غشت، بمعدل التزام إجمالي وصل إلى 61 في المائة.
وكان معدل الالتزام في الفترة نفسها من السنة الماضية في حدود 59 في المائة، ما يعني ارتفاعا بنقطتين مئويتين خلال سنة واحدة.
ويعطي هذا المؤشر صورة عن حجم النفقات التي التزمت بها مختلف المصالح العمومية، حتى وإن لم يتم صرفها بالكامل خلال الفترة نفسها.
أما على مستوى التنفيذ الفعلي، فقد بلغت نسبة إنجاز النفقات العادية 72 في المائة من التوقعات المبرمجة في قانون المالية.
وبخصوص الاستثمار، وصلت نسبة النفقات الصادرة إلى 57,6 في المائة من الاعتمادات المتوقعة، وهو ما يكشف عن استمرار تنفيذ المشاريع والاستثمارات العمومية خلال الأشهر الأخيرة المتبقية من السنة المالية.
الحسابات الخصوصية تحقق فائضا
سجلت الحسابات الخصوصية للخزينة بدورها مداخيل بلغت 147,8 مليار درهم، مقابل نفقات وصلت إلى 131,9 مليار درهم.
وأفضى ذلك إلى تسجيل رصيد إيجابي يناهز 15,9 مليار درهم.
وتكتسي الحسابات الخصوصية أهمية داخل بنية المالية العمومية، لارتباطها ببرامج وعمليات ذات طبيعة خاصة تُدبر خارج الإطار التقليدي للميزانية العامة، مع بقائها جزءا من الصورة الإجمالية للوضع المالي للدولة.
وفي السياق ذاته، بلغت مداخيل مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة 2,013 مليار درهم، فيما استقرت نفقاتها عند حوالي 1,125 مليار درهم.
ويعني ذلك تسجيل فائض يقارب 888 مليون درهم على مستوى هذه المرافق خلال الفترة ذاتها.
تنفيذ المداخيل يصل إلى 68,3 في المائة
بحسب الخزينة العامة للمملكة، بلغت نسبة تنفيذ المداخيل العادية عند متم غشت 68,3 في المائة من توقعات قانون المالية لسنة 2026.
في المقابل، وصلت نسبة تنفيذ النفقات العادية إلى 72 في المائة، وهو فارق يعكس تقدما أكبر في تنفيذ الإنفاق مقارنة بتحصيل الموارد المبرمجة.
أما نفقات الاستثمار، فقد تم إصدار 57,6 في المائة منها حتى نهاية غشت.
وتكتسي الأشهر الأخيرة من السنة أهمية خاصة بالنسبة إلى تنفيذ قانون المالية، بالنظر إلى تسارع وتيرة أداء النفقات وإنجاز الاستثمارات وتحصيل عدد من المداخيل خلال الربع الأخير.
وتضع معطيات غشت المالية العمومية أمام معادلة واضحة خلال ما تبقى من سنة 2026، تتمثل في استمرار تحسن الموارد من جهة، مقابل الحاجة إلى ضبط وتيرة نمو النفقات والحفاظ على قدرة الميزانية على تمويل الاستثمارات والالتزامات الاجتماعية وخدمة الدين من جهة أخرى.
ويظل تطور عجز الميزانية خلال الأشهر المقبلة مرتبطا بمستوى تحصيل الإيرادات، ووتيرة تنفيذ النفقات، إلى جانب التطورات الاقتصادية التي يمكن أن تنعكس بصورة مباشرة على موارد الدولة وتكاليفها.








