إعلان
980×90
مساحة إعلانية
مقالات رأي

إمبريالية الموانئ.. كيف تفرض الإمارات نفوذها السياسي من بوابات أفريقيا؟

00:00 · 15/09/2026

فتيحة شاطر

لم تعد السيطرة على الدول تحتاج دائما إلى احتلال أراضيها أو إسقاط حكوماتها بالقوة. ففي عالم تحكمه التجارة وسلاسل الإمداد، يمكن إخضاع دولة من خلال السيطرة على بواباتها البحرية، وربط اقتصادها بشركات أجنبية، ثم تحويل حاجتها إلى الموانئ والاستثمارات إلى وسيلة للضغط على قرارها السياسي.

من هنا تكتسب تصريحات وزير الخارجية الإريتري بشأن ما سماه «إمبريالية الموانئ» أهميتها. فالمسؤول الإريتري لم يتحدث عن استثمارات إماراتية معزولة، وإنما حذر من شبكة واسعة من الموانئ والمرافئ التي تعمل أبوظبي على بنائها أو إدارتها في أفريقيا والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.

المسألة لا تتعلق بعدد الموانئ فقط، بل بما تمنحه هذه الموانئ من قدرة على التحكم في حركة البضائع والطاقة والسفن، وجمع المعلومات الاقتصادية، وتوجيه طرق التجارة، والتأثير في الدول التي تعتمد عليها لاستيراد حاجاتها وتصدير منتجاتها.

فمن يسيطر على الميناء لا يدير رصيفا بحريا فحسب، بل يضع يده على شريان اقتصاد الدولة. يستطيع معرفة ما تستورده، وما تصدره، ومن هم شركاؤها، وأين توجد نقاط ضعفها، وما حجم اعتمادها على الخارج. ومع مرور الوقت، تتحول المعرفة الاقتصادية والحضور اللوجستي إلى نفوذ سياسي يمكن استخدامه عند الحاجة.

تبدأ السيطرة عادة بخطاب اقتصادي جذاب: تطوير البنية التحتية، تحديث الميناء، خلق فرص العمل، جذب الاستثمارات وربط الدولة بالأسواق العالمية. وهي وعود تحتاج إليها دول أفريقية كثيرة تعاني ضعف التمويل وتقادم منشآتها البحرية.

لكن ما يبدأ بمشروع تنموي قد ينتهي بعلاقة غير متكافئة. فالشركة الأجنبية تمول وتدير وتتوسع، بينما تصبح الدولة المضيفة أكثر اعتمادا عليها. وإذا حصل المستثمر على عقد يمتد لعقود، وسيطر على العمليات الأساسية داخل الميناء، يصبح إخراجه أو مواجهته مكلفا اقتصاديا وسياسيا.

عندها لا يعود المستثمر ضيفا يمكن استبداله، بل يتحول إلى طرف قادر على التأثير في القرار الوطني. وأي خلاف سياسي معه قد يهدد حركة التجارة أو الاستثمارات أو الوظائف أو قدرة الدولة على الوصول إلى الأسواق الخارجية.

هذه هي القوة الحقيقية للموانئ: إنها تمنح صاحب النفوذ قدرة على الضغط من دون إعلان عقوبات، وعلى فرض التوجهات من دون إرسال الجيوش. يكفي التلويح بإبطاء الاستثمارات، أو إعادة توجيه السفن، أو تقليص النشاط، أو نقل الخطوط التجارية إلى ميناء منافس، حتى تجد حكومة الدولة المضيفة نفسها أمام كلفة اقتصادية كبيرة.

ولا يمكن فصل هذا النفوذ عن السياسة الخارجية للإمارات. فأبوظبي بنت خلال السنوات الماضية شبكة واسعة من المصالح البحرية واللوجستية، تمتد من الخليج إلى اليمن والبحر الأحمر وخليج عدن وشرق أفريقيا. وعندما توضع هذه المواقع على خريطة واحدة، تظهر باعتبارها حلقات داخل مشروع استراتيجي يتجاوز الأرباح التجارية المباشرة.

وجود الإمارات في موانئ مثل بربرة وبوصاصو، واهتمامها بمواقع أخرى في شرق أفريقيا، ليس مجرد توسع عادي لشركات تبحث عن الأسواق. إنه يمنحها حضورا داخل مناطق تشرف على طرق التجارة العالمية، ويقربها من باب المندب، ويتيح لها التأثير في التوازنات السياسية والأمنية لدول تعاني الهشاشة والانقسامات.

وتكشف تجربة ميناء عصب الإريتري كيف يمكن للميناء أن ينتقل من وظيفة تجارية إلى دور عسكري. فقد استخدمت الإمارات الميناء والمطار المجاور له مركزا لوجستيا وعسكريا خلال حرب اليمن، ما يؤكد أن البنية البحرية المدنية يمكن أن تتحول بسرعة إلى منصة لخدمة أهداف إقليمية عندما تتطلب المصالح ذلك.

لهذا تدرك إريتريا أن منح الإمارات موطئ قدم دائما على سواحلها لا يعني فقط استقبال شركة لإدارة ميناء، بل قد يعني إدخال طرف خارجي إلى قلب منظومتها الأمنية. فإريتريا تمتلك ساحلا طويلا على البحر الأحمر، وميناءي عصب ومصوع، إضافة إلى جزر دهلك، وهذه المواقع تمثل أهم مصادر قوتها الجيوسياسية.

وتزداد مخاوف أسمرة بسبب التقارب بين الإمارات وإثيوبيا، التي تبحث عن منفذ بحري منذ استقلال إريتريا عنها سنة 1993. فإذا أصبحت أبوظبي فاعلا مؤثرا في الموانئ المحيطة بإثيوبيا، فإنها تستطيع لعب دور في إعادة ترتيب الوصول إلى البحر، وهو ملف تعتبره إريتريا مسألة سيادة وأمن قومي.

ولا تحتاج الإمارات إلى إعلان تأييدها لطرف ضد آخر حتى تمارس هذا النفوذ. فمجرد امتلاكها شبكة من الموانئ والعلاقات الاقتصادية يمنحها موقع الوسيط القوي القادر على مكافأة الحلفاء وعزل الخصوم وإعادة توجيه الاستثمارات وفق مواقفه السياسية.

الميناء، بهذا المعنى، ليس نهاية المشروع بل بدايته. فمن حوله تنشأ الطرق والمناطق الصناعية والمخازن وشبكات الطاقة والاتصالات والخدمات المالية. وكلما اتسعت هذه المنظومة، ازداد اعتماد الدولة على المستثمر، وأصبح نفوذه ممتدا من الساحل إلى قلب الاقتصاد الوطني.

وعندما يصبح المستثمر مسؤولا عن حركة الميناء، وممولا للبنية التحتية، وشريكا في المناطق الصناعية، وصاحب علاقات مع النخب السياسية والاقتصادية، فإنه لا يعود مجرد شركة. يتحول إلى مركز قوة داخل الدولة، وإلى طرف يملك وسائل التأثير في خياراتها وتحالفاتها ومواقفها الخارجية.

لهذا لا ينبغي حصر «إمبريالية الموانئ» في وجود قواعد عسكرية أو جنود أجانب. الإمبريالية الجديدة أكثر هدوءا وتعقيدا. إنها لا ترفع علمها فوق الميناء، لكنها تمسك بعقوده وتمويله وإدارته وطرق التجارة المتصلة به.

وقد لا تطلب القوة الأجنبية من الدولة تغيير موقفها السياسي بصورة مباشرة. يكفي أن تعرف الحكومة أن خلافها مع المستثمر قد يؤدي إلى تجميد مشروع، أو سحب تمويل، أو تحويل حركة السفن، أو خسارة آلاف الوظائف. عندها تبدأ الدولة في تعديل مواقفها مسبقا لتجنب الصدام.

هنا تتحول السيطرة الاقتصادية إلى رقابة سياسية غير معلنة. فلا يصدر أمر مباشر، ولا يظهر تهديد رسمي، لكن القرار الوطني يصبح محكوما بحساب الخسائر التي يستطيع الطرف الأجنبي إحداثها.

ولا يعني ذلك أن الدول الأفريقية يجب أن ترفض كل استثمار أجنبي في موانئها، لكنها مطالبة بالتعامل مع الموانئ باعتبارها جزءا من سيادتها، لا مجرد مشاريع تجارية تبحث عن ممولين. فالدولة التي تمنح طرفا أجنبيا السيطرة الطويلة على مينائها تمنحه جزءا من قرارها، حتى لو احتفظت رسميا بالعلم والحدود والمؤسسات.

كما تتحمل الحكومات الأفريقية مسؤولية مباشرة عندما توقع عقودا غامضة، أو تمنح امتيازات طويلة، أو تسمح باستخدام المنشآت المدنية لأغراض عسكرية، أو تخفي تفاصيل الاتفاقيات عن شعوبها. فالنفوذ الخارجي لا يدخل دائما بالقوة، بل قد تفتح له الأبواب نخب تبحث عن التمويل أو الحماية السياسية أو المكاسب السريعة.

وتزداد خطورة هذا النموذج في القرن الأفريقي، حيث تجتمع هشاشة الدول مع النزاعات الحدودية والحركات الانفصالية والإرهاب والتنافس على المياه والممرات البحرية. وفي بيئة كهذه، يمكن للمستثمر الذي يسيطر على ميناء أن يتحول إلى حَكم بين القوى المحلية، أو داعم لطرف ضد آخر، أو صاحب تأثير في شكل التحالفات الإقليمية.

كما أن الازدحام العسكري في المنطقة يؤكد أن السباق على الموانئ لا تحركه التجارة وحدها. فجيبوتي تستضيف قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية وصينية وفرنسية ويابانية وإيطالية، فيما تحتفظ تركيا بوجود عسكري في الصومال. وكل هذه القوى تعرف أن الوجود قرب باب المندب يمنحها القدرة على مراقبة واحد من أهم شرايين الاقتصاد العالمي.

لذلك لا يمكن فصل توسع الإمارات في الموانئ عن الصراع الأكبر على البحر الأحمر. فأبوظبي لا تستثمر فقط في منشآت مربحة، بل تضع نفسها داخل معادلة النفوذ التي تتحكم في حركة التجارة والطاقة وفي أمن المنطقة.

قد تحقق بعض الدول الأفريقية مكاسب من هذه المشاريع، وقد تتطور موانئها وترتفع إيراداتها، لكن التنمية التي تجعل الدولة رهينة للمستثمر ليست استقلالا اقتصاديا. والوظائف التي تُحدث اليوم لا تعوض القرار السياسي الذي قد يُنتزع غدا.

اتهام إريتريا للإمارات يكشف إذن تحولا في طبيعة السيطرة داخل أفريقيا. فبعد مرحلة الاحتلال العسكري ونهب الموارد بصورة مباشرة، تظهر اليوم أدوات أكثر مرونة: القروض، والاستثمارات، والمناطق الاقتصادية، وعقود تشغيل الموانئ.

والنتيجة قد تكون واحدة وإن اختلفت الوسائل: دولة تحتفظ بسيادتها في النصوص، لكنها لا تستطيع اتخاذ قرار يتعارض مع مصالح الطرف الذي يتحكم في شريان اقتصادها.

من يسيطر على الميناء يستطيع التأثير في التجارة، ومن يؤثر في التجارة يستطيع الضغط على الاقتصاد، ومن يمسك بالاقتصاد يستطيع توجيه السياسة. لذلك لم تعد الموانئ مجرد بوابات للدول، بل أصبحت مفاتيح لقرارها السيادي.

وهذا هو جوهر «إمبريالية الموانئ»: ألا تحتل الدولة عسكريا، بل تجعلها تعتمد عليك إلى الدرجة التي تدفعها إلى اختيار السياسة التي تريدها أنت.