كوثر بوجوال
شهدت عدة مدن سورية موجة احتجاجات رفضا للزيادة الجديدة في أسعار المحروقات وتعديل آلية الدعم الحكومي للوقود، بعدما دخلت التسعيرة الجديدة حيز التنفيذ، وسط مخاوف من انتقال آثارها سريعا إلى تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات، في بلد يواجه سكانه ضغوطا معيشية متراكمة.
وبرزت إدلب والرقة ضمن المناطق التي شهدت تحركات احتجاجية، فيما ارتفعت حدة الشعارات في بعض التجمعات لتتحول من الاعتراض على القرار الاقتصادي إلى المطالبة بإقالة وزير الطاقة السوري محمد البشير، وسط انقسام بين من يحمله مسؤولية مباشرة عن الزيادات ومن يرى أن تحديد الأسعار تحكمه اعتبارات تتجاوز صلاحيات الوزارة.
أسعار المحروقات تشعل الاحتجاجات في سوريا
بدأ تطبيق لائحة الأسعار الجديدة اعتبارا من الأحد، بعدما أقرتها اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية، وشملت زيادات متفاوتة في أسعار أنواع الوقود الرئيسية.
ووصل سعر لتر البنزين من فئة 95 أوكتانا إلى 195 ليرة سورية مقابل 152 ليرة سابقا، بينما حدد سعر البنزين من فئة 90 أوكتانا في 185 ليرة. وشملت الزيادة أيضا المازوت، الذي ارتفع سعر اللتر منه من 125 إلى 175 ليرة.
هذه الزيادات دفعت محتجين إلى النزول إلى الشارع للتعبير عن رفضهم للقرار، خاصة في ظل ارتباط أسعار الوقود المباشر بتكاليف الحياة اليومية وقدرته على التأثير في قطاعات واسعة، من النقل إلى الإنتاج والتوزيع.
الحكومة تصف الزيادة بالمؤقتة
في مواجهة ردود الفعل، أكدت الحكومة السورية أن تعديل أسعار المحروقات إجراء مؤقت فرضته ظروف استثنائية، غير أن هذه التوضيحات لم تمنع تصاعد المخاوف من التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للقرار.
وحذر خبراء اقتصاديون من أن ارتفاع تكلفة الوقود يمكن أن ينعكس على مستويات الإنتاج والأسعار، خصوصا عندما تنتقل الزيادة إلى تكاليف نقل السلع وتشغيل المنشآت والأنشطة الاقتصادية المختلفة.
كما يثير القرار مخاوف بشأن القدرة الشرائية للأسر، إذ لا تقتصر انعكاسات ارتفاع المحروقات على المستهلك المباشر للوقود، وإنما تمتد عادة إلى سلسلة واسعة من السلع والخدمات.
مطالب بإقالة وزير الطاقة محمد البشير
سرعان ما انتقلت بعض الاحتجاجات من المطالبة بالتراجع عن الأسعار الجديدة إلى استهداف وزير الطاقة محمد البشير بشكل مباشر، حيث ردد متظاهرون شعار «الشعب يريد إسقاط الوزير».
وفي معرة النعمان بإدلب، طالب محتجون بإقالة وزير الطاقة، معتبرين أن التراجع عن الزيادة يشكل الخطوة الأولى لاحتواء حالة الاحتقان.
ويرى أصحاب هذا الموقف أن خفض الأسعار يمكن أن يساهم في تهدئة الشارع والحد من التداعيات المباشرة للقرار، في وقت أصبحت فيه كلفة الطاقة واحدة من القضايا الأكثر ارتباطا بالحياة اليومية للمواطنين.
دعوات إلى إصلاحات اقتصادية أوسع
تجاوز النقاش مسألة أسعار المحروقات ليشمل طريقة إدارة الملفات الاقتصادية، إذ طرح محللون مقترحات تتعلق بإعادة هيكلة الحكومة وخفض الإنفاق وتعزيز آليات مراقبة الأداء.
وشملت المقترحات المتداولة تقليص عدد الوزارات، واعتماد خطة للتقشف، وإصدار تقارير دورية بشأن الأداء الاقتصادي، إلى جانب تكثيف جهود مكافحة الفساد المالي والإداري ضمن قواعد أكثر وضوحا للشفافية والمساءلة.
وتعكس هذه الطروحات اتساع نطاق النقاش من قرار مرتبط بالوقود إلى أسئلة أكبر بشأن قدرة السياسات الاقتصادية على التعامل مع الضغوط الاجتماعية دون تحميل الأسر أعباء إضافية.
أصوات ترفض تحميل الوزير المسؤولية منفردا
في المقابل، برزت مواقف تدافع عن محمد البشير وترفض تحميله المسؤولية الكاملة عن الزيادة، معتبرة أن تسعير المحروقات يرتبط بعوامل مالية واقتصادية وإدارية متعددة، ولا يخضع حصرا لقرار وزير الطاقة.
ويرى المدافعون عنه أن تحديد أسعار الوقود يتأثر بالموازنة العامة وتكاليف الإمدادات والظروف الإقليمية، بينما تضطلع الوزارة بدور تنفيذي ضمن منظومة حكومية أوسع.
جدل حول إنهاء نموذج الدعم السابق
يمتد الخلاف أيضا إلى مستقبل دعم المحروقات نفسه، إذ يعتبر مؤيدو التغييرات أن إصلاح قطاع الطاقة قد يفرض التخلي عن بعض آليات الدعم السابقة، حتى إذا كانت الخطوات الأولى لذلك مكلفة شعبيا.
في المقابل، يخشى معارضو الزيادة أن تتحول كلفة الإصلاح إلى عبء مباشر على المواطنين، خصوصا إذا لم تتزامن مع إجراءات تحمي الدخل والقدرة الشرائية وتحد من انتقال الارتفاع إلى أسعار المنتجات الأساسية.
اختبار اقتصادي واجتماعي أمام الحكومة السورية
تضع الاحتجاجات الحكومة أمام معادلة صعبة تجمع بين الحاجة إلى إدارة كلفة الطاقة والموارد المتاحة من جهة، والحد من التداعيات الاجتماعية لرفع الأسعار من جهة أخرى.
ويبقى مدى استمرار الاحتجاجات مرتبطا بالطريقة التي ستتعامل بها السلطات مع مطالب الشارع، وما إذا كانت ستتمسك بالأسعار الجديدة باعتبارها إجراء مؤقتا أم ستلجأ إلى مراجعتها.
وبين المطالب بإقالة وزير الطاقة والدعوات إلى منحه الوقت لتقييم نتائج السياسة الجديدة، تحول ملف المحروقات إلى اختبار يتجاوز حدود قطاع الطاقة، ليطال قدرة الحكومة على إدارة القرارات الاقتصادية الحساسة في ظل ضغوط معيشية متزايدة.








