هجر إمغري
يواصل أساتذة وأستاذات التعليم الأولي بالمغرب تحركاتهم للمطالبة بتسوية وضعيتهم المهنية والاجتماعية، في ظل استمرار حالة من عدم الاستقرار التي يقول العاملون في القطاع إنها أصبحت تؤثر بشكل مباشر على ظروف اشتغالهم وعلى مستقبلهم المهني، خصوصا مع استمرار تعدد المتدخلين في تدبير هذا النوع من التعليم.
ويضع العاملون بالتعليم الأولي مطلب الإدماج في صدارة المطالب التي يرفعونها خلال المرحلة الحالية، معتبرين أن طبيعة المهام التي يضطلعون بها داخل المنظومة التربوية تستدعي توفير إطار مهني واضح ومستقر، يضمن لهم حقوقا موحدة وشروط عمل لا تختلف باختلاف الجهة أو الجهة المشرفة على التدبير.
وفي هذا السياق، يبرز ملف الأجور باعتباره واحدا من أكثر الملفات إثارة للجدل داخل قطاع التعليم الأولي، بسبب ما يصفه العاملون بالتفاوت في الأجور والحقوق والتعويضات، وهي وضعية يقولون إنها تضع فئة مهنية تؤدي مهاما تربوية أساسية أمام أوضاع اجتماعية ومادية غير متكافئة.
ويطالب أساتذة التعليم الأولي بإنهاء ما يرتبط بنظام الأشطر من تفاوتات، والعمل على اعتماد منظومة موحدة للأجور والحقوق والتعويضات، بما يضع حدا للفوارق التي يعتبرون أنها ظلت لسنوات تؤثر على الاستقرار المهني للعاملين في القطاع.
كما يرتبط هذا المطلب، بالنسبة إلى المحتجين، بطبيعة التعليم الأولي نفسه وموقعه داخل منظومة التربية الوطنية، إذ يرون أن مرحلة التعليم الأولى لا يمكن التعامل معها باعتبارها خدمة تربوية هامشية أو مؤقتة، بالنظر إلى دورها في بناء شخصية الطفل وتطوير قدراته الأولى وإعداده للانتقال إلى المراحل اللاحقة من المسار الدراسي.
ومن جهة أخرى، يطرح العاملون إشكالية تعدد المتدخلين في تدبير التعليم الأولي، معتبرين أن هذا النموذج أدى إلى تعقيد الوضعية المهنية للعاملين، خصوصا عندما تختلف شروط العمل والتدبير من مؤسسة إلى أخرى أو من منطقة إلى أخرى. ويطالب هؤلاء بإنهاء ما يصفونه بالتدبير المتعدد والعشوائي، مقابل اعتماد رؤية موحدة تضمن وضوح المسؤوليات وتكافؤ الحقوق.
ويرتبط النقاش كذلك بمسؤولية الدولة تجاه هذا القطاع، إذ يطالب أساتذة وأستاذات التعليم الأولي بأن تتولى الدولة مسؤولية تدبير وتمويل وتأطير التعليم الأولي بشكل يضمن استمراريته وجودته، إلى جانب توفير ظروف مهنية مستقرة للعاملين فيه.
ويأتي هذا الحراك في وقت تتزايد فيه أهمية التعليم الأولي داخل المنظومة التعليمية، باعتباره مرحلة مؤسسة للمسار الدراسي للطفل، وهو ما يجعل ظروف اشتغال الأطر التي تشتغل في هذا المستوى جزءا من النقاش الأوسع حول جودة التعليم ونجاعة السياسات العمومية المرتبطة بالتربية والتكوين.
وبالتوازي مع المطالب المهنية والمادية، يرفع العاملون في القطاع أيضا مطالب مرتبطة بالحقوق النقابية وظروف ممارسة العمل النقابي، داعين إلى احترام الحرية النقابية ووقف ما يعتبرونه أشكالا من التضييق أو الانتقام من المناضلين والمناضلات.
وفي ظل استمرار النقاش حول مستقبل القطاع، يؤكد أساتذة التعليم الأولي أن ملفهم لا ينبغي أن يتحول إلى موضوع مرتبط بالمواعيد السياسية أو الانتخابية، بل يتطلب معالجة مؤسساتية تفضي إلى حل واضح ومستدام، خصوصا أن المطالب المطروحة ترتبط بوضعية مهنية واجتماعية لفئة تشتغل بشكل مباشر في مجال التربية والتعليم.
وبناء على ذلك، اختار التنسيق الذي يضم أساتذة وأستاذات التعليم الأولي مواصلة الضغط من خلال برنامج احتجاجي جديد، يتضمن تنظيم وقفات على المستويين الإقليمي والجهوي خلال السبت المقبل، في خطوة يراد منها إيصال مطالب العاملين إلى الجهات المعنية والدفع نحو فتح مسار جدي لتسوية الملف.
وتأتي هذه الخطوة في إطار مسار تصعيدي يقول العاملون إنه لن يتوقف عند الاحتجاجات المحلية، إذ يجري التحضير لمحطة وطنية مركزية بعد تشكيل الحكومة المقبلة، في حال لم يتم تسجيل تجاوب جدي ومسؤول مع المطالب المرفوعة.
ويعكس هذا التصعيد حجم التوتر الذي بات يطبع ملف التعليم الأولي، خصوصا في ظل تمسك العاملين بمطلب الإدماج الكامل في الوظيفة العمومية، وضمن النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية، إلى جانب الرفع من الأجور وتوحيد الحقوق والتعويضات.
ويضع هذا الوضع الجهات المسؤولة أمام تحدي إيجاد صيغة تنهي حالة الانتظار التي يعيشها العاملون في التعليم الأولي، وتحقق التوازن بين متطلبات تطوير القطاع وبين ضمان حقوق الأطر التي تتولى مهمة تربوية تبدأ مع السنوات الأولى للطفل داخل المدرسة.
وفي المقابل، يبقى مستقبل الاحتجاجات مرتبطا بمدى قدرة الحكومة المقبلة على التعامل مع الملف باعتباره قضية مهنية وتربوية واجتماعية في الوقت نفسه، خاصة مع استمرار تمسك أساتذة وأستاذات التعليم الأولي بمطالبهم الأساسية، وعلى رأسها الإدماج، وتوحيد الأجور والحقوق، وتحسين ظروف العمل، وإنهاء التفاوتات المرتبطة بأنماط التدبير الحالية.
وهكذا، يدخل ملف أساتذة التعليم الأولي مرحلة جديدة من الاحتجاج، عنوانها الأساسي البحث عن الاستقرار المهني والاعتراف بوضعية العاملين في قطاع يشكل نقطة الانطلاق في المسار التعليمي للأطفال، بينما يترقب العاملون ما ستسفر عنه المرحلة المقبلة من قرارات وإجراءات بشأن مطالبهم التي ظلت حاضرة في النقاش العمومي خلال السنوات الأخيرة.







