هجر إمغري
عاد ملف المعتقل نبيل أحمجيق إلى الواجهة من جديد، بعد أن أثارت ظروف اعتقاله ومطالب مرتبطة بمتابعة دراسته جدلا واسعا، قبل أن تتضح معالم الخلاف بشكل أكبر مع تقديم معطيات جديدة حول وضعيته داخل السجن المحلي طنجة 2. وتدفع هذه التطورات القضية نحو نقاش يتجاوز مسألة الدراسة نفسها، ليرتبط أساسا بظروف الإقامة داخل المؤسسة السجنية والمطالب التي يربط بها المعني بالأمر استمرار إضرابه عن الطعام.
وأوضحت المعطيات المقدمة حول وضعية أحمجيق أن متابعة الدراسة ظلت متاحة له خلال مختلف مراحل اعتقاله، وهو ما يجعل النقاش الحالي مرتبطا، بحسب الرواية المقدمة، بتفاصيل أخرى تتعلق بمكان الإقامة وشروطها. فقد تمكن المعتقل خلال سنوات وجوده بالمؤسسة السجنية من مواصلة مساره الجامعي، والحصول على شهادة البكالوريا ثم الإجازة فالماستر، قبل الانتقال إلى مرحلة الدكتوراه، كما واصل مساره الدراسي من خلال التسجيل في سلك علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية فاس سايس مع بداية السنة الجامعية الحالية.
وتكشف هذه المسيرة، في المقابل، أن الملف الدراسي لم يكن مغلقا أمام أحمجيق، إذ ظل قادرا على الارتباط بالتعليم الجامعي والاستمرار في التحصيل رغم وجوده داخل المؤسسة السجنية. وبذلك، أصبح جوهر الخلاف المطروح يدور حول طبيعة الظروف التي يرى المعتقل أنها ضرورية لمواصلة دراسته، في مقابل تصور آخر يعتبر أن القواعد المنظمة للحياة داخل السجون لا تمنح امتيازا خاصا للطلبة المعتقلين في ما يتعلق بنمط الإقامة.
وانتقل الخلاف، وفق المعطيات المتداولة حول الملف، إلى مسألة الغرفة الانفرادية، بعدما أصبح هذا المطلب في صلب الاحتجاج. ويطالب أحمجيق، بحسب المعطيات المقدمة بشأن وضعيته، بظروف إقامة منفردة، سواء داخل المصحة أو في غرفة فردية بالطابق العلوي، أو من خلال صيغة أخرى تتعلق باستعمال غرف بالطابق السفلي، مع الإبقاء على إمكانية التواصل مع باقي السجناء المدانين معه في القضية نفسها.
وفي هذا السياق، جرى التأكيد على أن الإقامة داخل المؤسسات السجنية تخضع لمقتضيات موحدة، وأن متابعة الدراسة لا تشكل، في حد ذاتها، أساسا قانونيا للحصول على غرفة فردية. ويعني ذلك أن السجين الذي يتابع دراسته الجامعية يظل، من حيث الأصل، خاضعا للقواعد العامة المنظمة للإقامة، مثل باقي النزلاء، مع مراعاة الشروط والإمكانات المتوفرة داخل كل مؤسسة.
وبالتوازي مع ذلك، برزت تفاصيل تتعلق بظروف إقامة أحمجيق قبل دخوله في الإضراب عن الطعام، إذ كان يقيم رفقة سجين آخر يوجد معه في القضية نفسها داخل غرفة تبلغ مساحتها حوالي 40 مترا مربعا. وتتوفر الغرفة، وفق المعطيات المقدمة، على الإضاءة الطبيعية والتهوية والمرافق الصحية، وهي عناصر اعتبرت كافية لتوفير شروط إقامة مناسبة ومواصلة التحصيل الدراسي.
وأعادت هذه التفاصيل النقاش إلى طبيعة العلاقة بين ظروف الاعتقال والحق في مواصلة الدراسة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بسجين يتابع مسارا جامعيا متقدما. فالدراسة داخل السجن لا تقتصر على توفير إمكانية التسجيل في مؤسسة جامعية، وإنما ترتبط أيضا بالقدرة على تخصيص وقت وظروف مناسبة للتحصيل، وهو ما يجعل شروط الإقامة جزءا من النقاش العام حول وضعية الطلبة المعتقلين.
وفي الوقت نفسه، لم تبق وضعية أحمجيق بعيدة عن المتابعة القضائية والحقوقية، إذ شملت الزيارات التي جرت داخل المؤسسة السجنية جهات معنية بالملف، حيث جرت معاينة وضعيته والاستماع إلى المطالب التي يطرحها في ارتباط باستمرار الإضراب عن الطعام. وتضيف هذه المتابعة بعدا آخر إلى القضية، بعدما أصبحت مطالب المعتقل محل نقاش أمام أكثر من جهة، وليس فقط داخل المؤسسة السجنية.
وأظهرت المعطيات المرتبطة بهذه الزيارات أن المطالب لا تتمحور حول وقف الدراسة أو منعها، وإنما ترتبط أساسا بمكان الإقامة وشكلها. ويبدو أن هذا التفصيل هو الذي أعاد ترتيب عناصر الجدل، بعدما انتقل النقاش من الحديث عن الحق في التعليم إلى البحث في حدود المطالب المتعلقة بظروف الاعتقال، ومدى إمكانية الاستجابة لها في إطار القواعد المعمول بها داخل المؤسسات السجنية.
ومن جهة أخرى، أثار هذا الملف سجالا حول طريقة تقديم قضية أحمجيق في الفضاء العام، خصوصا بعدما اعتبرت جهات معنية بتدبير المؤسسات السجنية أن بعض المواقف الداعمة له قدمت مطلب الغرفة الفردية باعتباره امتدادا للحق في الدراسة. وفي المقابل، ترى هذه الجهات أن الأمر يتعلق بمطلب مستقل عن الدراسة، ولا يمكن تحويل الحق في التعليم إلى أساس لمنح امتياز في الإقامة لا يستفيد منه باقي السجناء.
وزادت حدة النقاش مع استمرار الإضراب عن الطعام، باعتباره وسيلة احتجاجية ترفع مستوى الضغط حول المطالب المطروحة. فكلما طال أمد الإضراب، أصبحت ظروف المعتقل وحالته داخل المؤسسة محط اهتمام أكبر، كما اتسعت دائرة النقاش حول طبيعة المطالب التي دفعت إليه، ومدى ارتباطها بحقوق أساسية أو بترتيبات تنظيمية تخص الحياة اليومية داخل السجن.
وفي المقابل، يؤكد الموقف الرسمي المرتبط بالملف على الاستمرار في توفير الظروف التي تسمح للسجناء بمتابعة تعليمهم، مع التشديد على تطبيق القواعد المنظمة للحياة السجنية على مختلف النزلاء. ويطرح هذا الموقف مبدأ المساواة داخل المؤسسات السجنية باعتباره عنصرا أساسيا في تدبير الإقامة، مع رفض تخصيص معاملة استثنائية لأي سجين خارج الشروط التي يحددها القانون.
ويكشف مسار أحمجيق الدراسي، من البكالوريا إلى الإجازة ثم الماستر والتسجيل في الدكتوراه، عن جانب مهم من القضية، يتمثل في استمرار المسار التعليمي رغم ظروف الاعتقال. غير أن انتقال الخلاف إلى مستوى المطالبة بغرفة فردية جعل الملف أكثر تعقيدا، بعدما أصبح المطلوب هو التمييز بين الحق في الدراسة وبين الشروط الخاصة بالإقامة داخل المؤسسة السجنية.
وتبقى القضية مفتوحة على مزيد من النقاش، في ظل اختلاف القراءة حول طبيعة المطالب وأساسها القانوني، بينما يظل الإضراب عن الطعام نقطة حساسة في هذا الملف. وبين المطالبة بتحسين ظروف الاعتقال والتمسك بالقواعد المنظمة للإقامة، تتقاطع اعتبارات إنسانية وقانونية وحقوقية تجعل قضية أحمجيق واحدة من الملفات التي تستدعي التعامل معها بدقة، والتمييز بين الوقائع المعلنة والتأويلات المرتبطة بها.
ويعيد هذا التطور في نهاية المطاف طرح سؤال أوسع حول كيفية تحقيق التوازن بين حق السجين في مواصلة تعليمه، وبين القواعد التي تنظم الإقامة داخل المؤسسات السجنية. كما يبرز أهمية توفير شروط واضحة وشفافة لمتابعة الدراسة، خاصة بالنسبة إلى المعتقلين الذين يواصلون تكوينهم الجامعي في مستويات متقدمة، مع ضمان تطبيق القواعد نفسها على مختلف النزلاء.
وبذلك، لا تبدو قضية أحمجيق مرتبطة بالدراسة وحدها، بل أصبحت تدور حول مجموعة من العناصر المتشابكة، في مقدمتها ظروف الإقامة، ومطلب الغرفة الفردية، واستمرار الإضراب عن الطعام، إلى جانب النقاش حول حدود الحقوق والامتيازات داخل المؤسسات السجنية. ويظل الفصل بين هذه العناصر ضروريا لفهم حقيقة الخلاف بعيدا عن الاختزال، خصوصا أن القضية تمس في آن واحد مسارا دراسيا متواصلا ووضعية اعتقال ومطالب مرتبطة بظروف الإقامة.







