هجر إمغري
صوّت مجلس النواب الأمريكي للمرة الثالثة لصالح قرار يهدف إلى إنهاء الحرب مع إيران، في خطوة تعكس تصاعد الخلاف داخل المؤسسة التشريعية بشأن استمرار العمليات العسكرية، وتضع الرئيس دونالد ترامب أمام مواجهة جديدة حول حدود صلاحياته في اتخاذ قرارات مرتبطة بالحرب دون الرجوع إلى الكونغرس.
وجاء التصويت، الذي جرى في وقت متأخر من مساء الثلاثاء، بنتيجة 220 صوتا مقابل 204 أصوات، بعدما انضم عدد أكبر قليلا من النواب الجمهوريين إلى الديمقراطيين في دعم القرار، في مشهد يعكس وجود تباين داخل الحزب الجمهوري نفسه بشأن الطريقة التي تتعامل بها الإدارة الأمريكية مع الملف الإيراني والتدخل العسكري في المنطقة.
ويحمل هذا التصويت أهمية سياسية ودستورية، خصوصا أنه يأتي في سياق نقاش أمريكي متواصل حول صلاحيات الرئيس في إدارة العمليات العسكرية خارج البلاد، ومدى قدرة الكونغرس على ممارسة دوره في مراقبة القرارات المتعلقة بالحرب واستخدام القوات المسلحة الأمريكية في نزاعات لا تحظى بموافقة تشريعية واضحة.
ويأتي التحرك الجديد امتدادا لمحاولتين سابقتين خلال الصيف، إذ حاول مشرعون أمريكيون الدفع باتجاه إنهاء المشاركة العسكرية في الصراع، غير أن تلك المحاولات لم تصل إلى مرحلة التنفيذ. ولم ينتقل أي من القرارات السابقة إلى مكتب الرئيس، الأمر الذي يجعل مصير القرار الأخير مرتبطا بالمسار التشريعي المقبل، وسط توقعات واسعة بأن ترامب قد يستخدم حق النقض الرئاسي إذا وصل القرار إلى مكتبه.
وقال النائب الديمقراطي سيث مولتون، الذي سبق أن خدم في قوات مشاة البحرية الأمريكية خلال حرب العراق، إن استمرار العمليات العسكرية يفرض على الكونغرس تحمل مسؤوليته الدستورية وطرح أسئلة أكثر صعوبة بشأن أهداف الحرب ومدتها والتبعات المترتبة عليها. وربط مولتون موقفه بما اعتبره تباينا بين الوعود السابقة بشأن مدة الحرب والواقع الذي يفرض نفسه مع استمرار المواجهة.
وأضاف النائب الأمريكي أن المرحلة الحالية تستوجب من المؤسسة التشريعية ممارسة صلاحياتها بدل ترك القرارات المرتبطة بالحرب بيد الإدارة التنفيذية وحدها، معتبرا أن الدستور يمنح الكونغرس دورا أساسيا في مراقبة القرارات العسكرية ومساءلة السلطة التنفيذية بشأنها.
وفي المقابل، دافع نواب جمهوريون عن موقف الإدارة الأمريكية، معتبرين أن الملف الإيراني لا يمكن التعامل معه فقط من زاوية إنهاء العمليات العسكرية، في ظل استمرار ما يرونه تهديدا للمصالح والأمن الأمريكيين في المنطقة. وطرح النائب الجمهوري برايان ماست، رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، تساؤلات بشأن طبيعة الموارد العسكرية التي يمكن سحبها من المنطقة في حال تنفيذ القرار.
وأوضح ماست أن إيران ما تزال تمثل تهديدا، وأن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة التخلي عن القدرات العسكرية الأمريكية الموجودة في المنطقة أو تقليص حضورها بصورة قد تؤثر على قدرة واشنطن على التعامل مع التطورات المقبلة. كما قدم موقفه باعتباره دفاعا عن توجه يرى أن ترامب يعارض الدخول في حروب طويلة وغير محددة الأهداف، وأن سياسته تهدف إلى وضع حد لما يعتبره صراعات ممتدة.
ويكشف تباين المواقف داخل مجلس النواب عن انقسام أوسع بشأن مستقبل السياسة الأمريكية تجاه إيران، إذ يتداخل البعد العسكري مع الحسابات الدستورية والسياسية، فيما يجد المشرعون أنفسهم أمام سؤال أساسي يتعلق بالجهة التي ينبغي أن تمتلك القرار النهائي عندما يتعلق الأمر باستمرار العمليات العسكرية الأمريكية في الخارج.
ومن جهة أخرى، يعيد التصويت إلى الواجهة النقاش القديم حول صلاحيات الرئيس الأمريكي في زمن الحرب، وهي قضية ظلت محل جدل داخل الولايات المتحدة لعقود، خصوصا عندما تستمر العمليات العسكرية لفترات طويلة دون إعلان حرب تقليدي من جانب الكونغرس. ويمنح هذا الجدل التحرك الأخير أهمية تتجاوز حدود الخلاف حول إيران، لأنه يرتبط أيضا بالعلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
كما يسلط القرار الضوء على التحديات التي تواجه الإدارة الأمريكية في حشد دعم سياسي واسع لاستمرار العمليات العسكرية، في وقت يسعى فيه نواب من الحزبين إلى التأكيد على حق الكونغرس في مناقشة القرارات التي ترتبط مباشرة بإرسال القوات واستخدام الموارد العسكرية الأمريكية.
ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه إيران حاضرة بقوة في الحسابات الأمنية والاستراتيجية الأمريكية، بسبب طبيعة العلاقات المتوترة بين واشنطن وطهران، وتراكم ملفات الخلاف بين البلدين، إلى جانب ارتباط الملف الإيراني بتوازنات إقليمية أوسع تشمل عددا من دول الشرق الأوسط والمصالح العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
ويشير مسار التصويت المتكرر إلى أن ملف حرب إيران لم يعد مجرد قرار تنفيذي تتعامل معه الإدارة الأمريكية بمعزل عن الكونغرس، بل تحول إلى قضية سياسية وتشريعية مفتوحة، خصوصا مع إصرار مجموعة من النواب على إعادة طرح مسألة الصلاحيات الرئاسية والدور الذي يجب أن يلعبه الكونغرس في تحديد مستقبل العمليات العسكرية.
وبينما يرى مؤيدو القرار أن استمرار الحرب يحتاج إلى رقابة تشريعية أقوى ومراجعة للأهداف والنتائج، يتمسك معارضوه بضرورة الحفاظ على القدرة العسكرية الأمريكية على مواجهة التهديدات التي يعتبرونها قائمة في المنطقة. ويجعل هذا التباين مسار القرار المقبل مرتبطا بدرجة كبيرة بموقف القيادة السياسية في واشنطن وبمدى استعداد مجلسي الكونغرس للدفع بالملف إلى مراحل أكثر حساسية.
ويفتح التصويت الأخير الباب أمام جولة جديدة من المواجهة السياسية بين الكونغرس والبيت الأبيض، خصوصا إذا انتقل القرار إلى مراحل تشريعية متقدمة. وفي حال وصوله إلى الرئيس، فإن استخدام حق النقض سيعيد القضية مرة أخرى إلى الكونغرس، حيث سيصبح النقاش منصبا على إمكانية تجاوز الفيتو الرئاسي ومدى توفر الأصوات المطلوبة لذلك.
وهكذا، يتحول الخلاف حول حرب إيران إلى اختبار جديد للتوازن بين سلطات المؤسسات الأمريكية، في وقت تتواصل فيه التجاذبات بشأن حدود الدور العسكري للولايات المتحدة في الخارج. وبين رغبة مشرعين في استعادة دور أكبر للكونغرس، وتمسك آخرين بضرورة إبقاء الخيارات العسكرية مفتوحة، يبقى مستقبل القرار مرتبطا بالمسار التشريعي وبالمواجهة السياسية المتواصلة حول كيفية إدارة الملف الإيراني.







