إعلان
980×90
مساحة إعلانية
أخبار دولية

تونس.. صورة امرأة على غلاف كراس مدرسي يفجر جدلا وتحرك لسحب النسخ من الأسواق

14:21 · 16/09/2026

كوثر بوجوال

أثار غلاف كراس مدرسي متداول في تونس موجة من الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما ظهرت عليه شخصية نسائية كرتونية تحمل اسم «سمارة»، بملابس شفافة وهي تمسك بأسلحة يدوية، ما دفع مستخدمين وفاعلين تربويين إلى المطالبة بسحب المنتج من الأسواق وفتح تحقيق بشأن الجهة التي اختارت التصميم وسمحت بتداوله.

وتحولت صورة الكراس، بالتزامن مع العودة المدرسية، إلى موضوع نقاش يتجاوز الغلاف نفسه ليطرح أسئلة حول طبيعة المحتويات البصرية الموضوعة على الأدوات الموجهة إلى الأطفال، ومدى خضوعها لمعايير تربوية ورقابة مسبقة قبل عرضها في المكتبات ونقاط البيع.

ورأى منتقدو التصميم أن الأدوات المدرسية ليست منتجات تجارية عادية، لأنها ترافق التلميذ بصورة يومية داخل الفصل والمنزل، وتصبح الصور والعبارات الموجودة عليها جزءاً من محيطه البصري. ولذلك طالبوا باختيار رسومات تتناسب مع عمر الأطفال وتحمل رسائل تعليمية وثقافية إيجابية.

في المقابل، أكدت الغرفة الوطنية لصانعي الكراس المدرسي أن الشخصية الظاهرة على الغلاف ليست امرأة حقيقية، وإنما رسم كرتوني استُخدم لأسباب تجارية وتسويقية، نافية وجود خلفيات سياسية أو دينية أو عرقية وراء اختيار الصورة.

صورة مسلحة تفتح نقاشاً حول محتوى الأدوات المدرسية

بدأ الجدل بعد تداول صورة الغلاف على نطاق واسع عبر منصات التواصل، حيث تركزت الانتقادات على الجمع بين الملابس الشفافة والأسلحة داخل منتج موجه أساساً إلى الأطفال والتلاميذ.

واعتبر عدد من المستخدمين أن هذا النوع من الصور لا ينسجم مع الوظيفة التربوية للكراس، حتى إذا كان التصميم لا علاقة له بالمناهج الدراسية أو المحتوى الموجود داخله. فالغلاف يظل أول عنصر يراه الطفل، وقد يؤثر في اختياراته وتصوراته، خصوصاً عندما يقدم شخصيات تعتمد على العنف أو الإثارة البصرية.

كما أثارت الواقعة أسئلة بشأن الجهة المسؤولة عن مراقبة أغلفة الكراسات المدرسية، وما إذا كانت الشركات المصنعة حرة بصورة كاملة في اختيار التصميمات، أم أن المنتجات تخضع لموافقة أو مراجعة من مؤسسة رسمية قبل تسويقها.

وتوسعت المطالب لتشمل مراجعة آليات الإشراف على الأدوات المدرسية بصفة عامة، بما فيها الكراسات والمحافظ والمقالم وغيرها من المنتجات التي تستخدم صور الشخصيات الكرتونية والأبطال الخياليين لجذب الأطفال.

مطالب بالتحقيق وسحب المنتج

طالب منتقدون بسحب النسخ المتداولة من الأسواق، إلى جانب تحديد الجهة التي صممت الغلاف والمسؤولية المرتبطة بقبوله وتسويقه.

ولا يرتبط هذا المطلب، وفق المواقف المتداولة، برفض الشخصيات الكرتونية من حيث المبدأ، بل بضرورة ملاءمة الصورة مع الفئة العمرية المستهدفة والسياق الذي تُستخدم فيه.

ويرى هذا الاتجاه أن الشركات تستطيع اعتماد تصميمات جذابة تجارياً من دون اللجوء إلى صور تحمل أسلحة أو توحي بمضامين لا تتناسب مع الفضاء المدرسي، خاصة أن السوق يوفر إمكانات واسعة لاستعمال الرموز العلمية والتاريخية والبيئية والفنية.

كما دعا البعض إلى وضع قواعد معلنة وواضحة يمكن للمصنعين والموزعين الرجوع إليها عند اختيار الأغلفة، بدلاً من انتظار اندلاع الجدل بعد وصول المنتجات إلى المكتبات وشرائها من طرف الأسر.

انتقادات لما اعتبر إفلاسا في المخيال التربوي

وصفت رئيسة المنظمة الدولية لحماية أطفال المتوسط، ريم بالخذيري، اختيار الصورة بأنه يعكس «إفلاساً في المخيال التربوي»، معتبرة أن تونس تمتلك رصيداً حضارياً وفكرياً وعلمياً واسعاً يمكن استثماره في تقديم نماذج ملهمة إلى الأطفال.

وأكدت بالخذيري أن الاعتراض لا يتعلق بجسد المرأة في حد ذاته، بل بطبيعة الرسالة البصرية التي ينقلها الغلاف إلى الطفل. وأوضحت أن الكراس يمكن أن يتحول إلى وسيلة لغرس القيم وتشجيع المعرفة وإثارة فضول التلميذ، بدلاً من الاكتفاء بصورة لا تقدم مضموناً تربوياً أو معرفياً.

ويضع هذا التمييز النقاش داخل إطاره الأساسي، بعيداً عن تحويله إلى حكم على مظهر النساء أو فرض تصور واحد بشأن اللباس. فالسؤال المطروح يرتبط بمدى مناسبة التصميم لمنتج مدرسي موجه إلى الأطفال، وبالرسائل التي يجمعها الغلاف بين الشخصية والملابس والأسلحة.

كما أعربت بالخذيري عن استغرابها من احتمال وجود إشراف لوزارة التربية على مثل هذه الأغلفة، مشددة على أن دور المؤسسة التربوية لا يتوقف عند الجوانب الإدارية والمادية، وإنما يشمل أيضاً طبيعة الرموز والصور التي تقدم للأطفال باعتبارها نماذج داخل محيطهم الدراسي.

دعوة إلى إبراز شخصيات تونسية ملهمة

انتقد المربي محمد ساسي اختيار التصميم، متسائلاً عن سبب عدم استغلال أغلفة الكراسات لتقديم صور مرتبطة بالهوية الوطنية أو بشخصيات تونسية علمية وتاريخية يمكن أن تشجع التلاميذ على الاجتهاد.

واعتبر أن الغلاف المدرسي يستطيع الجمع بين الجاذبية البصرية والقيمة التربوية، من خلال عرض علماء ومبدعين وشخصيات تاريخية، أو تقديم معالم ثقافية وطبيعية تساعد الطفل على اكتشاف بلاده.

ويفتح هذا المقترح نقاشاً أوسع حول قدرة المنتجات اليومية على أداء وظيفة تعليمية غير مباشرة. فالتلميذ يقضي ساعات طويلة مع أدواته المدرسية، ويمكن للصور الموجودة عليها أن تثير لديه أسئلة عن التاريخ والعلوم والبيئة والفنون.

كما أن إبراز شخصيات تونسية ناجحة من مجالات مختلفة قد يوسع دائرة القدوات أمام الأطفال، بدلاً من حصرها في شخصيات تجارية أو خيالية منتشرة عبر الألعاب والمنصات الرقمية.

الغرفة المهنية توضح خلفية التصميم

نفت الغرفة الوطنية لصانعي الكراس المدرسي وجود أي خلفية سياسية أو دينية أو عرقية وراء الصورة المثيرة للجدل، موضحة أن «سمارة» شخصية كرتونية وليست امرأة حقيقية.

وقال نائب رئيس الغرفة، سمير المولهي، إن اختيار الشخصية تم لأسباب تجارية وتسويقية، بالنظر إلى الشعبية التي تحظى بها الشخصيات الكرتونية لدى الأطفال، وقدرتها على جذب انتباههم داخل نقاط البيع.

وأشار المولهي إلى أن الكراس يعود إلى طبعة السنة الماضية، وأن النسخ المتداولة حالياً ليست جزءاً من إنتاج جديد مرتبط بالموسم الدراسي الحالي، بل كميات متبقية لدى بعض تجار الجملة والمكتبات.

ويقدم هذا التوضيح جواباً عن تاريخ طرح المنتج، لكنه لا يلغي النقاش المتعلق بالمعايير التي تحكم اختيار التصميمات. فبقاء النسخ داخل السوق وانتقال صورتها عبر منصات التواصل أعادا الموضوع إلى الواجهة بالتزامن مع اقتناء الأسر للمستلزمات الدراسية.

اتصالات لسحب النسخ المتبقية

أكدت الغرفة المهنية أنها تواصلت مع عدد من حرفائها من أجل سحب الكميات المتبقية وتعويضها بكراسات أخرى عند الطلب، في محاولة لاحتواء الانتقادات التي صاحبت انتشار صورة الغلاف.

ويعكس هذا التحرك استجابة عملية للجدل، حتى مع تمسك الغرفة بأن الاختيار كان تجارياً ولم يحمل خلفيات أخرى. كما يبرز التأثير الذي أصبحت تمارسه منصات التواصل على الشركات، إذ يمكن لصورة واحدة أن تفتح نقاشاً عاماً وتدفع الجهة المصنعة إلى مراجعة منتج سبق طرحه قبل عام.

غير أن سحب النسخ لا يحسم وحده الأسئلة المتعلقة بمراقبة الأغلفة مستقبلاً، لأن الواقعة قد تتكرر مع تصميمات أخرى إذا لم تُعتمد معايير واضحة تتعلق بالأعمار والمحتوى والأسلحة والصور ذات الإيحاءات العنيفة.

ويمكن أن يقود الجدل إلى تعاون أكبر بين الجهات التربوية والمهنيين وخبراء الطفولة والتصميم، بما يسمح بإنتاج أغلفة جذابة وقابلة للتسويق، وفي الوقت نفسه ملائمة للفضاء المدرسي.

العودة المدرسية تضاعف حساسية القضية

تزامن انتشار صورة الكراس مع العودة المدرسية في تونس، وهي فترة تشهد سنوياً نقاشاً متجدداً حول المناهج وجودة التعليم وأسعار المستلزمات والضغط المالي الذي تتحمله الأسر.

وتخصص العائلات جزءاً مهماً من ميزانيتها لشراء الكتب والكراسات والملابس والمحافظ، ما يجعلها أكثر اهتماماً بجودة المنتجات ومتانتها ومحتواها البصري. كما أن التلميذ قد يختار أدواته بناءً على صورة الغلاف، وهو ما يدفع المصنعين إلى استخدام شخصيات معروفة أو تصميمات قوية لجذب الانتباه.

لكن المنطق التسويقي، وفق المنتقدين، لا ينبغي أن ينفصل عن المسؤولية المرتبطة بالفئة المستهدفة. فكلما كان المنتج موجهاً إلى أطفال أصغر سناً، ارتفعت الحاجة إلى مراعاة طبيعة الصورة والرسالة المصاحبة لها.

ولا يعني ذلك تحويل جميع الأغلفة إلى دروس مباشرة، بل إيجاد توازن بين الترفيه والجاذبية والقيمة التربوية، مع استبعاد الصور التي قد تمجد العنف أو تقدم مضامين غير مناسبة للسياق المدرسي.

من جدل عابر إلى فرصة لمراجعة الرقابة

تكشف قضية كراس «سمارة» أن النقاش حول التعليم لا يقتصر على المناهج والكتب الرسمية، بل يمتد إلى البيئة البصرية التي تحيط بالتلميذ، بما فيها الأدوات التي يحملها يومياً.

وقد ينتهي الجدل بسحب الكميات المتبقية من المنتج، لكنه يفتح في الوقت نفسه فرصة لمراجعة العلاقة بين المصنعين والمؤسسات التربوية والجهات المختصة بحماية الطفل والمستهلك.

كما يمكن أن يشجع الشركات على الاستثمار في تصميمات مستوحاة من التاريخ التونسي والعلوم والبيئة والفنون، من دون التخلي عن الجاذبية التجارية التي تبحث عنها داخل سوق تنافسية.

وبين التوضيحات المهنية والانتقادات التربوية، يظل جوهر القضية مرتبطاً بسؤال بسيط لكنه أساسي: ما الصورة التي ينبغي أن ترافق الطفل داخل المدرسة، وما القيم التي يمكن للأدوات اليومية أن تزرعها فيه بطريقة غير مباشرة؟